تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
فيها مثمرة ، فدلّ آدم عليه السلام إليها ليكون بتلك النعمة متمتعا أحد من خلقة ، لكن مزج بالإرادة الحسد على آدم عليه السلام فأوقعه فيها ؛ لأنه علم أنها موضع خطر فعصمها اللّه من ذلك الخطر ، فلمّا أكلا وجد ذلك في نفسها فزمّ اللّه وجههما وقلبهما زمام قهر سلطنته فلمّا رأى أنفسهما ساقطين عن محل الربوبية عرفا عجزها وضعفهما وعبوديتهما فقالا :
ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ الأعراف : 23 ] ، وأراد الملعون أنهما لمّا أكلا من الشجرة أن يظهرا تلك الأسرار التي لو عرفها أحد يكون عيارا سكرانا ، والهامد هوسا خارجا من قبول أحكام الشرائع في العبودية ، ولا يكون في العالم حجة اللّه ، فقصدهما بذلك لسقوطهما عن درجة الرسالة والنبوة والولاية التي هناك ظهور العبودية لمّا يبدو لهما من عورات الأسرار المكنونة والأقدار المختومة بقوله :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ
لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما
« 1 » إذا أراد سبحانه أن يظهر لعبده سرا من أسراره أعزى إبليس بوسوسة سبب ينكشف به تلك الأسرار له ، فيرتفع بعلمها درجاته ، فيرجع ضررها إلى إبليس ، ورجع منفعتها إلى عبده العارف كحال آدم عليه السلام وعدوه ، أراد العدو أن يسقطه من درجته فزاد شرفه على شرفه وقد سقط هو من رتبته بالحسد عليه وصار مطرود الأبد وصار آدم عليه السلام مقبول الأزل والأبد لقوله سبحانه :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[ فاطر : 43 ] . وقال تعالى في حق آدم عليه السلام :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
[ طه : 122 ] ، وقال في حق داود عليه السلام :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
[ ص : 25 ] ، ولمّا بدا لهما تلك الأسرار كتماها في نفسهما باستعداداتهما إلى أشجار الرعاية بقوله :
وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 22 ] . قال أبو سليمان الداراني : وسوس لهما الشيطان لإرادة الشر بهما فكان ذلك سببا لعلو آدم عليه السلام وبلوغه إلى أعلى الرتب ، وذاك أن آدم عليه السلام ما عمل عملا قط أتمّ له من الخطيئة التي هي أدبته وأقامته مقام الحقائق ، وأسقط عنه ما لعله خامر سرّه من سجود الملائكة له ، ورده إلى بركة الأولى من التخصيص في الخلقة باليد حتى رجع إلى ربه بقوله :
ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
. قوله تعالى :
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
ما دام مآل أمر آدم عليه السلام يؤول
هامش
( 1 ) قال التستري ( 1 / 154 ) : الوسوسة ذكر الطبع ، ثم النفس ، ثم الهم والتدبير ، ووسواس العدو على ثلاث مقامات : فالأول يدعوه ويوسوس له ، والثاني يأمن إذا علم أنه يقبل ، والثالث ليس له إلّا الانتظار والطمع ، وهو للصديقين .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 423 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )