تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
نظر إلى صفة واحدة ولم ينظر إلى صفة أخرى ؛ فاحتجب بالصفة عن الصفة فقال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
، ولو رأى مصدر جميع الصفات لذاب تحت رؤية الكبرياء وأنوار العظمة ، ولم يكن بعد فنائه أبدا ؛ لأن من عرف وصف القدم صار عدما في القدم ، ولو رأى الملعون من وجه آدم عليه السلام ما رأى الملائكة ما قال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
كان جاهلا به والملائكة كانوا عاشقين به ، غلط في قياسه ورؤيته إلى نفسه ، وأين النار من الطين الذي يقبض قبض ألطاف العزّة ومخلوق يد الصفة الخاصة بقوله :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] « 1 » ، وسقط الأرواح التي صدرت من تجلّي القدس بقوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] ، وذلك محل التواضع والعبودية الخالصة ومنبت أجسام الأنبياء والرسل والأولياء والصديقين ، ومنبت أغذية الخلائق ومرجع الكل ، وهو بريقة الأجسام والأرواح في العالم ليخرج منه سبائك القدس لمجالس الأنس ، والنار عذاب قهره مجاز بها من خلقه ناريا كإبليس وجنوده ، قوته من أصله الذي كان منه ، كان من نار اللعنة فعداه باللعنة ، قال :
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ
[ الحجر : 35 ] ، كل شيء يرجع إلى أصله ، كان جاهلا بظاهر العلم بعد أن كان جاهلا بباطن العلم ولولا ذلك لم يسلك طريق القياس عند وقوع النص ، والنص غالب على القياس من جميع الجهات . قال بعضهم : لمّا نظر إلى الجوهر والعبادة توهم المسكين أنه خير ، فسبب فساد النفوس من رؤية الطاعة . وقيل : توهم أن الجواهر من الكون على مثله وشكله في الخلقة فضل من جهة الخلقة والجوهرية ، ولم يعلم ولم يتيقن أن الفضل من المتفضل دون الجوهرية . وقال الواسطي : من لبس قميص النسك خامره أنا لذلك ، قال إبليس :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
[ ص : 76 ] ، ولو لم يقل خير منه لأهلكه قوله في المقابلة أنا . قال ابن عطاء : حجب إبليس برؤية الفخر بنفسه عن التعظيم ، ولو رأى تعظيم الحق لم يعظم غيره ؛ لأن الحق إذا استولى على سرّ قهره فلم يترك فيه فضلا لغيره ، ولمّا رأى الملعون فضل آدم عليه السلام وذريته بالعلم الأسمائي وعرفان الصفاتي ، والمسابقة على الكل بعنايته الأزلية حسد عليهم وخرج على عدواتهم بعد طرده من باب الرحمة ، وتجاسر بجهله في مقابلة الحضرة بالمخاطبة بقوله :
فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
هاهنا قسم ، أي :
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 2 / 242 ) .