تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
على حسب العبارات ومعادن الحق مصونة عن الألفاظ والعبارات . وقوله تعالى :
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
ذكرت إن حروف الأسرار كتاب وتصديق ذلك قوله تعالى بعد قوله :
المص
،
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
أي : هذه الحروف
المص
كتاب الأسرار أنزل إليك ،
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
أي : لا يكون في صدرك حرج نكرتها وقلّة إدراكها ، أي : فلا تخف أنك لا تعرف إشارتنا فيها ؛ فإنك مخصوص بعلم لطائفها ، وحقائقها وصدرك محل البسط بفسخه نور تجلّي جمالي ، فلا يكون فيه خرج القبض « 1 » ، وتصديق ذلك قوله :
أُنْزِلَ إِلَيْكَ
أي : لهذه الأسرار لا يحتمل غيرك أنها لك وأن لك استعداد فهمها ، فلا يكون في صدرك همّ لأجلها ، فإنها تسهل فهمها عليك . قال ابن عطاء في
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
: عهد خصصت به من بين الأنبياء أنك خاتم الرسل وعهدك خاتم العهود ؛ لتشرح به صدرك ، وتقربه عينا . وقال الجنيد : فلا يكن في صدرك حرج منه لا يضيق قلبك بحمله وثقله ، فإن حمل الصفات ثقيلة إلا على من يؤيد بقول المشاهدة . وقال النوري : إن أنوار الحقائق إذا وردت على السر ضاق عن حملها كالشمس يمنع شعاعها عن إدراك نهايتها . قال القرشي : لمّا قصّ اللّه في هذه السورة قصة الكليم علم أن قلب النبي صلى اللّه عليه وسلّم يتحرك ، لذلك قال :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
لأنه كلّم على الطور وكلّمت وراء الصور ، ومنع المشاهدة ورزقتها . وقال الأستاذ : كتاب الأحباب تحفة الوقت وشفاء عمّا يقاسيه من ألم البعد . وقال في قوله :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
: إشارة إلى حفظ قلبه عن كل قبض ، وقال :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
ولم يقل قلبك فإن قلبه عليه السلام في تجلّي الشهود ولذلك قال :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ
[ الحجر : 97 ] ، ولم يقل قلبك ، ولذلك قال موسى عليه السلام :
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
[ طه : 25 ] ، وقال له :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[ الشرح : 1 ] ، فإن القلب في محل الشهود ، وهو أبدا بدوم الأنس والقرب ،
هامش
( 1 ) أي : ضيق وثقل من أجل تبليغه لمن يكذب به ، مخافة أن تكذّب فيه ، أو مخافة أن تقصر على القيام بتبليغه ، أو بحقوقه ، وتوجيه النهي إلى الحرج للمبالغة . البحر المديد ( 2 / 231 ) .