تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
قال الواسطي : بيان هذه الآية في قوله سبحانه :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ النساء : 131 ] ، فمن لاحظها من نفسه قصمته ، ومن تبرّأ منها عصمته ، كيف يجوز الوجدان بلا حظّ فضلا . قيل : من علم أنه باللّه علم أن للّه ، فإن علم نفس لم يبق فيه نصيب لغير اللّه ، فهو مستسلم لحكم اللّه غير معترض على تقدير اللّه ، ولمّا كان عليه السلام بوصف ما ذكر حيث انفرد بفردانية اللّه أفرد نفسه للّه بحيث لا يرى غير اللّه بقوله تعالى :
لا شَرِيكَ لَهُ
أي : لا رؤية للغير في البين في ظهور شمس جلاله من مطلع القلب . قوله تعالى :
وَبِذلِكَ أُمِرْتُ
أي : هو يستحق لإفراد قدمه عن الحدوث ، ولا يستحق ذلك لغيره ، وما دام شأنه ذلك خصّ اللّه جوهره بأول الفطرة التي انقادت لعزته عند ظهور تجلي هيبته الأزلية لها . قال سبحانه عقيب قوله :
وَبِذلِكَ أُمِرْتُ
:
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
إشارة إلى تقدم روحه وجوهره على جميع الكون وأهله في الحضرة حين خاطبه بالرسالة والولاية والمحبة والخلة ، فانقاد في أول الأول الأزلي الأبدي ، تعالى اللّه عما يقولون الظالمون علوّا كبيرا . وأشار إلى ما ذكرنا قوله عليه السلام : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » « 1 » ، وقوله عليه السلام : « أول ما خلق اللّه نوري » « 2 » . وقيل في قوله :
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
أي : أسلمت لتصاريف قدرته متبرئا من حولي وقوتي ، مع أن التسليم في الحقيقة علّة ، ولمّا كان سابقا على جميع الخلائق في حضرة العزّة بنعت الانقياد بعز ربوبيته ، ومعرفته بجلال ديموميته ، أمره تعالى بأن يعرّف نفسه الشريفة المبرّأة عن علّة الحدثان لجميع الخلائق ؛ ليعرفه كل صادق ، ويطيعه كل محبّ موافق بقوله :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا
أي : أنا في مشاهدة قدم اللّه أبغي ستائر على مشاهدته سواه ، حاشا من عظم شأنه أن يكون عوضا لجماله من العرش إلى الثرى . قال الجوزجاني : أسواه أطلب حافظا وراعيا ووكيلا ، وهو الذي كفاني الهم وألهمني الرشد ! [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 164 ] قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 164 )
هامش
( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 5 / 54 ) . ( 2 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 311 ) .