تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وكواشف الذات والصفات حين تجلّى له ، ثم أعطى النور للعموم شريعة وبيانا بالمناهج العبودية ؛ لأنهم عند مشاهدة الجلال وسمع الخاص عند كلام الخاص بمعزل . قوله :
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً
وصف المفترين والمائلين عن الطريقة حقها على المريدين بذل النفوس وأمانتها بالمجاهدات والرياضات بأنهم لمّا فارقوا سبيل الحق وقعوا في أودية الباطل ، فصاروا فرق الدعاوى الهالكة ، فبعضهم زراقون ، وبعضهم طرارون ، وبعضهم متشابهة بزي الرجال ، وبعضهم متلبسون بقول الإبطال . قال فارس : لم يستقيموا للّه على وتيرة واحدة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 160 إلى 163 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
من بقي على رؤية الأعمال فأجره بحساب ؛ لأن أجره من عالم الحدثان من نعيم الجنان ، ومن رفع بصره عن أعماله بنعت الخجل عند رؤية الرحمن أجره بغير حساب ؛ لأنه لطائف العرفان وموائد الإيقان ، وأصل الحسنة إخلاص العبودية عند ظهور الربوبية ، لذلك قال صلى اللّه عليه وسلّم « الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه » « 1 » ، هذا إحسان العارفين الذين أجرهم مشاهدة اللّه بلا نهاية . قال بعضهم : من لاحظها من نفسه فعشر أمثالها ، ومن لاحظها من مواصلة الحق فهو الذي يصلي عليكم وملائكته واللّه يضاعف لمن يشاء . قوله تعالى :
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
الصراط المستقيم هاهنا أغرب طريق في المعارف والكواشف ، هداه به نبيه إلى نفسه ؛ لأنه خاصّ بذلك من جميع الخلائق . ألا ترى إلى قوله :
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي
كيف خصّ هداية نفسه بالرب ، وذلك وقوع الأسرار في منازل الأنوار وطيران روحه في الملكوت والجبروت حين شاهده نور دنو الدنو بوصف الرؤية الكبرى وسامرات الأعلى بقوله :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .