تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 56 ] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 56 ) قوله تعالى :
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
: تطييب لقلوب المريدين ، الذين يطلبون اللّه بوسائط الآيات ، وتسلية لقلوب النادمين على ما فات عنهم من أوقات المراقبات بمباشرة الجنايات ، فأحالهم الحق إلى سلام نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنهم في مقام الوسيلة ، ولو بلغوا إلى درجة أهل المشاهدة لأحالهم إلى سلامه بقوله :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] . انظر كيف أحب الرجوع للمذنبين ؛ حيث أمره عليه السلام بالسلام عليه بقوله :
فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
[ الأنعام : 54 ] ؛ لأنهم قاسوا مقاساة امتحانه في بيداء قهره ، لمّا رآهم مقبلين إليه بعد تحملهم بلاياه ، سلّم عليهم بلسان نبيه ، ثم رفع درجتهم من ذلك ، وواساهم بنفسه ، وروّح فؤادهم بمروحة رحمته السابقة عليهم في الأزل بقوله تعالى :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أي : كان في الأزل اصطفاهم برحمته ، وإن علم منهم العصيان ، رحمته الأزلية أصل ثابت ، والمعصية عارضة من طوفان قهره في طريق الإقبال إليه والمسارعة في السير إلى وصاله ، فإذا وصلوا إلى معادهم بقيت الأصول ، وفنيت العوارض ، إذا أحبهم بمحبته الأزلية توجب محبته أن يوصلهم إلى مشاهدته التي هي رحمته الكبرى ، وأن يخلصهم من غبار الطبيعة ، ويطهّرهم من أدناس النفسانية بمياه رحمته الكافية بقوله تعالى :
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً
نظر إلى غيره
بِجَهالَةٍ
بقلّة علم على ذوق وصالي ولطف جمالي ،
ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ
رجع من نفسه إليّ ،
وَأَصْلَحَ
مزار تجلياتي من قلبه ، بأن قدسه من شوائب شهواته .
فَأَنَّهُ غَفُورٌ
لما سلف من تقصير في أداء حقوقي ؛ بحيث لا أعيرهم بذلك أجرا .
رَحِيمٌ
بأن قوّاهم بقوة أزلية ؛ ليحملوا أثقال مشاهداتي بها ، ولولا ذلك لفني وجودهم في أول رؤية سطوات عظمتي وجلال كبريائي . قيل في قوله :
فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
: سلّم أنت على الذين يؤمنون بآياتنا ، فإنا نسلم على الذين آمنوا بنا بلا واسطة ، وذلك قوله :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] . قال إبراهيم بن المولد : واللّه إن الحق هو الذي يسلّم على الفقراء ، والنبي صلى اللّه عليه وسلّم في ذلك واسطة . وقال الواسطي في قوله تعالى :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
: برحمته وصلوا إلى