تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
استهزاء ، فأجابهم اللّه رغما لأنوفهم :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
أي : هو تعالى يعلم صدقهم وإخلاصهم وبذل وجودهم شكرا لإنعامه ، وحمدا لما منّ عليهم من الدرجات الرفيعة ، والحالات الشريفة ، ويعلم غيظ أعدائهم . وفي الأية نكات : أن فتنة الفقر طمعه إلى الغنى ، وفتنة الغني بغضه للفقير ؛ لئلا يؤديه حقه . وأيضا : في الحقيقة مقام الفقر مقام التجريد والتوحيد والتنزيه ، وإفراد القدم عن الحدوث ، وفناء النفس في الحق ، وإذا كان الفقير بهذه الأوصاف يستظل بظلال الربوبية ، ومقام الغنى مقام الاتصاف بصفات غنى القدم والاكتساء بكسوة الربوبية ، فإذا كان الغني بهذه الأوصاف يكون نائب الحق في العالم ؛ فإذا رأى فقيرا بوصف ما ذكرنا يصول عليه بقوة مقامه ، فيكونان في حجاب حالهما ومقامهما ورؤية غير اللّه ، وهذا من غيرة اللّه عليهما ؛ لئلا يسكن أحدهما الآخر ، فيسقطان من درجة السكون إلى الحق ، ومن غيرته تعالى على نفسه لشغل بعضهم بعضا ؛ لئلا يطّلع عليه غيره . وما ذكرنا بمجموعه فهو معنى قوله :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
، وما يليق بذلك من تفسير . وقوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
أي : بالذين منهم من لا ينظر في طريقه إلى نفسه وإلى غيره طرفة عين . قال الحسين رضي اللّه عنه في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
: قطع الخلق بالخلق عن الحق . وقال محمد بن حامد : فتنة الفقراء بالأغنياء ، وفتنة الأغنياء بالفقراء ، ففتنة الفقير في المعنى رؤية فضله ، وبسخطه لما يمنعه ما في يده ، ويراه المعطي والمانع دون اللّه ، وفتنة الغني في الفقير ازدراؤه الفقراء ، وتحقيره إياهم ، ومنعهم ما أوجب اللّه عليه لهم مما في يده ، وامتنانه عليهم بإيصالهم إلى حقوقهم وإيصال الحقوق إليهم ، والذي يسقط عن الفقير فتنة فقره رؤية دخل الأغنياء ، والذي يسقط عن الغني فتنة غناه رؤية دخل الفقراء . قيل : في الشكر ، والشاكرون : الراجعون إلى اللّه في جميع أحوالهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 54 إلى 55 ] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 )