تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 43 ] فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ
وصف سبحانه أهل الامتحان الذين تهتف هواتف الإلهام بالخطاب لقلوبهم من الغيب فيستقبلونها بمعارضة نفوسهم ، ويكذبون خواطر الحق بخاطر الباطل حين لم يعرفوا الإلهام من الوسواس ، وذلك من وقر الضلالة في آذانهم ؛ حيث لم يلقوا أسماعهم في مقام الشهود إلى اللّه ، ولم تذكر اسم اللّه ألسنة أسرارهم بوصف الهيبة والمحبة ، وذلك من بقايا نفوسهم في ظلمات هواها . ومعناه : أي من كذب خواطر الحق الواردة من عندنا حين ألهمنا بخالص الإيمان بكرامات أوليائنا ومعجزات أنبيائنا تغطي آذان أسراره ، وأبصار بصائره بغشاوة الضلالة ؛ حتى لا يسمع كلامنا في الغيب ولا يرانا في الملكوت ، ويبقيه في ظلمات نفسه الأمّارة وشيطانه الكافر ، ولا يقدر أن يتكلم بذكرنا ومعرفتنا . قيل : لم تصدقوا إظهار كراماتنا على المقربين من عبادنا عموا وصموا عن أنوار الملاحظات ، وبقوا مع ظلمات النفوس ، وهواجس الهياكل . وقوله تعالى :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
المشيئة تقع على المقبولين والمطرودين على الإبعاد والقبول والرضا والسخط ، بما جرى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة ، فمن لم يكن صادقا في بدء إرادته يغويه الحق في ظلمات قهره غيرة على وصله ؛ حتى لا يصل إليه غير صادق في محبته ، ومن كان صادقا في بدء إرادته ولم ينقص عقد بدايته بمتابعة نفسه والفترة عن طاعة يهديه الحق بنفسه إلى نفسه ، ويجعله مستقيما في طريق معرفته وطاعته ، والطريق المستقيم طرق أفعاله للعقول بنعت الفكرة ، وطرق صفاته للقلوب بنعت المحبة ، وطرق ذاته للأرواح بنعت المعرفة . قيل : من يرد اللّه به الشرّ يتركه في سوء تدبيره ليبقى في ضلالته ، ومن يرد اللّه به الخير يجره إلى حسن اختياره ، فيبقى على أسلم الطرق ، وهو الرضا بمجاري القدرة ، وهو الصراط المستقيم . وقوله تعالى :
أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ
،
غَيْرَ اللَّهِ
: الجاهلين ربوبيته عند امتحانهم ببلائه ، يرجعون إلى غيره من الخلق ؛ لطلب المعاونة بدفع البلاء عنهم ، أي : إن كنتم صادقين في دعوى معرفتي لم تتكلمون إلى غيري عند نزول البلاء ؟ فإنكم تدعونني حين تدعون غيري ، فإن الدعاء لم يقع على غيري ؛ إذ فنيت الحوادث في سطوات عظمتي ، لكن لا تعلمون أنكم تدعونني حين تدعون غيري من جهلكم بفناء الحدث في القدم .