[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 35 ]
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 )
قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ
أظهر لطفه وكرمه العميم على خلقه في هذه الآية حين وقف القوم على حضرة جلاله لسماع خطابه ؛ ليسهل عليهم دخول النار ، ولولا ذلك لكان عذابهم أضعافا .
والآية تعجب أي : ولو ترى إذ وقفوا في حضرة الجبروت ، وخوطبوا بخطاب الهيبة كيف يتنعمون بخطابه ، وإشراق أنوار سلطان كبريائه ، وإن كانوا في منازل الهيبة ! واللّه هيبته مستلذة ، كما أن لطفه مسألة ، وجميع العذاب عند خطابه يكون نعمة .
وأنشدوا :
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى * إليكم تلقّى طيبكم فيطيب
وما ذاك إلّا حين أيقنت أنّه * يمرّ بواد أنت منه قريب
قال ابن عطاء : وقفوا وقوف قهر ، ولو وقفوا وقوف اشتياق لرأوا من أنوار كراماته ما تعجبوا منها .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 36 إلى 38 ]
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 )
قوله تعالى :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
السماع سماعان : سماع فهم ، وسماع عشق ومحبة ، من سمع سماع فهم لم يكن من أهل النطق في جريان حكم المعارف ؛ لأنه في مقام البداية ، ولم يكن له تصرف إلا تصرف ظاهر العلم ، ومن سمع سماع العشق بسمع المعرفة على حدّ الكمال يكون له لسان بيان المعرفة والتصرف في الإشارات والعبارات .
ألا ترى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم وموسى عليه السلام لما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم كاملا مستقيما قال : « بعثت بجوامع الكلم » « 1 » ، و « أنا أفصح العرب والعجم » « 2 » .
ولما كان موسى عليه السلام في محل الإرادة أخبر اللّه سبحانه عنه بقوله بعد سؤاله بشرح الصدر الموجب فصاحة اللسان في المعرفة ، قال :
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
، بيّن أن على قدر السماع يكون الجواب ، ونفى السماع عن غير الأحياء بالمعرفة والمشاهدة .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1087 ) ، ومسلم ( 1 / 371 ) ، وأحمد في « مسنده » ( 2 / 264 ) .
( 2 ) ذكره العجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 562 ) .