وقدره .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 111 إلى 113 ]
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( 111 ) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 112 ) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 )
قوله تعالى :
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي
وحي اللّه إلى المرسلين يكون خاصّا ويكون عامّا ، الخاص بغير واسطة ، والعام بواسطة جبريل عليه السلام ، وللوحي الخاص مراتب : وحي بالفعل ، ووحي بالصفة ، ووحي بالذات ، وحي الذات يكون في مقام التوحيد عند رؤية العظمة والكبرياء ، وهناك محل الفناء ، ووحي الصفات يكون في مقام المعرفة عند تجلّي الجلال ، وهناك محل البقاء ، ووحي الفعل يكون في مقام العشق والمحبة ، وهناك منازل الأنس والانبساط ، وهاهنا للأنبياء والأولياء نصيب ، وليس لهم في الوحي برسالة الملك نصيب ، وحي منزل التوحيد بالكلام ، ووحي منزل المعرفة الحديث ، ووحي منزل العشق الإلهام ، ومقام الإلهام منقسم على الإلهام الذاتي والصفاتي والفعلي ، وربما يكون الإلهام الفعلي بواسطة الملك والروح والقلب والعقل والسر وحركة الفطرة ، وربما يرد على السمع قرع هواتف الغيب ظاهرا ، وربما يكون بلسان الخلق حركات الأكوان ، ولا يعرف هذه المقامات إلا ذو منصب في معرفة الخواطر وحقائق علومها ، وهاهنا وحي الصفاتي الذي يتولد منه الإيمان والمعرفة .
ألا ترى إلى قوله سبحانه :
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي
أي :
اعرفوني وصدقوني فيما كشفت لكم من أنوار الغيب في قلوبكم وبرسولي فيما أرسلت إليه من أنباء الغيب وبيان شرائط الشرع في نعوت العبودية .
قوله :
آمِنُوا بِي
مقام الجمع ، و
وَبِرَسُولِي
مقام التفرقة .
قوله تعالى :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
تفحص القوم مكانتهم من عند اللّه سبحانه بتأييد الظاهر ومشاهدة المعجزة جهرا ؛ لأنهم موقنون مشاهدون بالقلوب والأرواح والأسرار حقائق الغيب ، ورأوا منازلهم في محل القرب والخطاب عند كشف رؤية الحق لإبصار قلوبهم ، لكن القوم ليسوا بمتمكنين في شهود الغيب ، تجري عليهم أحكام أهل التلوين من معارضة النفس والعدو في رؤية الغيب ، وطلبوا آيات اللّه ؛ لدفع المعارضة وطمأنينة القلوب .