تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
« 1 » إلا بالعقل ، فمن صحت صحبة روحه في القدم صحت صحبته مع اللّه . وقال في قوله :
أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
: ذكر الروح في هذا الموضع لطفا لقربه من المستترات . قال بعضهم : قدست روحك أن تمازج شيئا من هيكلك وطبعك ، بل ظهرته لئلا ترى غيري ، ولا تشاهد سواي ، وأسكنته قالب جرمك سكون عارية كإسكان آدم عليه السلام الجنة ، لأطهّر به جسدك عن أدناس الكون حتى أقدسهما جميعا وأخرجها إلى محل القدس ، ومن تمام نعمة اللّه عليه صيرورة جسمه بنعت روحه في المهد على مثابة بالقوة الإلهية بأن نطق بوصف تنزيه اللّه وقدسه وجلاله وربوبيته ، وفناء العبودية فيه ، وبقيت تلك القدرة فيه في كهولته حتى عرف عباد اللّه تنزيه اللّه ، وقدس صفات اللّه ، وحسن جلال اللّه ، وهذا معنى قوله تعالى
تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
. وزاد في وصفه بقوله تعالى :
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ
تجلى بقدرته ليده حتى تخط بغير تعلم ،
وَالْحِكْمَةَ
أي : حكمة معارف العشق ، وطريق كواشف الملكوت ، وبطون الأفعاليات بنعت ماهيتها ،
وَالتَّوْراةَ
علمه ما علّم موسى عليه السلام بنعت تجليه له من نور التوراة ، ليعلم شرائع المعرفة ، وحكم الربوبية ،
وَالْإِنْجِيلَ
عرّفه أناجيل القدمية بظهور صفات الأبدية . وزاد وصفه على وصف باتصافه بالقدرة القائمة ، والقوة الإلهية في خلق الطير حين نفخها من نفخ روح القدس التي فيه ، وذلك أمارة ظهور ربوبية اللّه منه ، ولذلك كان قادرا على إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والاستشراف على مكنون الغيب بقوله بما وصف في موضع آخر :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
[ آل عمران : 49 ] . قال أبو علي الرودباري في قوله :
وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ
غاية الربوبية في غاية العبودية ، لمّا استقام على بساط العبودية أظهر عليه أشياء من أوصاف الربوبية بقضائه
هامش
( 1 ) قال الورتجبي : من تمام نعمة اللّه تعالى عليه صيرورة جسمه بنعت روحه في المهد على شبابه بالقوة الإلهية ، بأن نطق بوصف تنزيه اللّه وقدسه وجلاله ، وربوبيته وفناء العبودية فيه ، وبقيت تلك القدرة فيه إلى كهولته ، حتى عرّف عباد اللّه تنزيه اللّه وقدس صفات اللّه وحسن جلال اللّه ، وهذا معنى قوله تعالى :تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا، وزاد في وصفه بقوله :وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ، تجلى بقدرته بيده حتى يخط بغير تعلم [ البحر المديد ( 2 / 155 ) ] .