[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 108 إلى 109 ]
ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 108 ) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 109 )
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
ليس ظاهر الآية يوجب إسقاط أمر المعروف والنهى عن المنكر ، لكن فيه لطيفة أي : عليكم أن تعرفوا أسرار نفوسكم الأمّارة التي لو تدعونها لتدّعي الربوبية ، كما كان يدعي فرعون بقوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] ، وإذا عرفتم مكائدها عرفتم سرّ قهر الأزل ، فإن قهري يعلمها مخائيل الضلال .
لذلك قال عليه السلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومن عرفني فقد استقام في طاعتي ، وصار موضع نظري لا يعوجه كيد كافر ، ولا مكر ماكر ؛ لأنه محفوظ بي ، بل من ينظر إليه صار ضرّه نفعا ، وفساده صلاحا ببركته » « 1 » .
قال سهل بن عبد اللّه : للنفس سرّ ، ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا على فرعون ، فقال :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] ، ولها سبع حجب سماوية ، وسبع حجب أرضية ، وكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء ، وإذا دفنت النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش .
قال محمد بن علي : عليّا لنفسك أن كفيت الناس شرّها ، فقد أدّيت أكثر حقها .
ودخل خادم الحسين بن منصور - رحمة اللّه عليه - الليلة التي وعد من الغد لقتله فقال له : أوصيني ، فقال : عليك نفسك ، إن لم تشغلها شغلتك .
وسئل أبو عثمان عن هذه الآية ؟ فقال : عليك نفسك إن اشتغلت بإصلاح فسادها وستر عوراتها شغلك ذلك عن النظر إلى الخلق والاشتغال بهم .
قوله تعالى :
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
إن للّه سبحانه أياما وساعات لظهور جبروته ، وكشف ملكوته ، وبروز أنوار عزّة قدمه ، وشروق بروق لمعات وحدانية أبديته ، وخصّ لها خطاب العظمة ، وسياسة السلطنة ، وأظهرها لقواطب أهل جلاله ، ورؤية عظائم قدرته ، وإجراء مشيئته ، وهناك تفوح مجامر عطر صفاته ، وتذيع نفحة مسك سبحات ذاته .
قال سيد أهل البيت صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ لربّكم في أيام دهركم لنفحات ، ألا فتعرضوا لها » « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 208 ) بأوله فقط .
( 2 ) رواه الطبراني في الكبير ( 19 / 233 ) بنحوه ، وذكره الزرقاني في شرحه ( 1 / 316 ) .