سيره إلى اللّه على نعت التجريد مما سواه وهو في منظر من اللّه بالمراقبة والإجلال لم تضره أوقات الرفاهية والدخول في الرخص والبسط في السعادة ما دام يشبه بشرط العلم .
قال سهل : إذا طلب الحلال ولم يأخذ فوق الكفاية وآثر مما حمله رواسي .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 97 إلى 100 ]
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 )
قوله تعالى :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
ألبس اللّه الكعبة سناء قدس آياته ونورها بصبح مشارق صفاته من مطالع ذاته ، وصيرها مرآة حسنه وجماله لنظر نظار معارفه ، وأبصار عشاق كواشف رداء عظمته وكبريائه ؛ لقيامهم على مشاهد قربه ومواقف قدسه ، ليطلبوا منها رؤية براهين هلال صفته ومشارق صنع جلال قدمه ، وحرّم تلك المنازل على الأغيار دون الأخيار ، ومنع الأخيار عن الدخول فيها مع بقاء نفوسيتهم ؛ ليعلموا أنها ممنوعة من تناول الكل لهم ، ليعرفوا عين القدم أنه منزّه عن خطرة كل حادث ، جعل الكعبة بيته ، وجعل بيته قلب العالم ، ويظهر بجلاله منه لعيون العارفين ، كما ظهر لموسى عليه السلام من طور سيناء ، وظهر لعيسى عليه السلام من طور المصيصة ، وظهر لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم وأمته من الكعبة ، كقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « جاء اللّه من سيناء ، واستعلن بساعير ، وأشرف من جبال فاران » « 1 » ، هكذا جعل قلب العارف كعبة مشاهدته في حرم صورته ، وسد بابه عن كل طائف غير نظره ، فيظهر آثار جلاله من صورهم .
قال الشبلي : الكعبة أمام أعين الناس ، والحق أمام قلوب أوليائه .
وقيل : البيت الحرام حرام في مجاورته ارتكاب المخلفات بمحال .
وقيل : حرام على من يراه أن يرى وصفه دون واصفه .
وقيل :
قِياماً لِلنَّاسِ
أي : من ذلّ عن قيامه فاعوجّ بالتدنس بمعصية ، فأتاه فتعلق به ، أقامه ببركة آثار الأنبياء عليهم السلام والسادة فيه وردّه إلى حالة الاستقامة .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .