تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
أفعال الحدث في القدم ، فإنّ صفات القدم منزّهة عن أن تكون محلا لنزول الحدثان فيها ، فإنّ رضاه سبق عنايته للمقبولين ، وإنّ غضبه إرادة وضوح وسم البعد على المطرودين . قال الواسطي : ما أظهر من الوسم المكروه على خلقه ، جعل ذلك مضافا إلى غضبه وسخطه من غير أن يؤثر عليه شيء ، ألا ترى إلى قول الحكيم كيف يؤثر عليه ما هو أجراه أم كيف يغضبه ما هو أبداه . قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
وقع اليهود في سخطه الأكبر ؛ حيث اختاروا من يلههم العجل بالإلهية بقوله :
ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
[ النساء : 153 ] ، وقوله :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
[ البقرة : 93 ] ، ثم نزلوا من رتبة الحيوان إلى رتبة الجماد بقولهم لموسى عليه السلام :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ
[ الأعراف : 138 ] ، ومن علامة همتهم أشار إلى رتبة الإنسان بقولهم :
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
[ التوبة : 30 ] ، فلمّا قطع اللّه نسبة القدم عن الحدث اشتد غضبهم على أهل التوحيد وذلك قوله سبحانه :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ
، ووقع النصارى في سخطه الأصغر ، حيث ارتفعوا بهمتهم في طلب الإلهية إلى عيسى عليه السلام ؛ لأنه مجمع آيات اللّه وقعوا في الخيال عند بروز الصفة عن الآية ؛ لقلّة إدراكهم الوحدانية ، لكن بسبب استعدادهم قبول ظهور الآية صاروا أقرب من اليهود إلى قبول الإسلام ، والذي وصفهم اللّه هاهنا بقوله :
قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
أنهم بقوا في النصرانية في طلب الحق ، فلمّا لاح الحق لهم خرجوا ممّا دون الحق إلى الحق ، وكانوا صديقين في تجريدهم في طريق اللّه ؛ حيث وصفهم اللّه بالقسيسية والرهبانية ، وإذا كانوا في طلب اللّه أدركهم اللّه بنور الإسلام والتوحيد ، وما أبقاهم في الشكوك والآراء المختلفة . ثم زاد في وصفهم بالخضوع والإذعان عند بروز البرهان تصديقا وتعريفا بقوله تعالى :
وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
. قال بعضهم : جزيات الخدمة أثبت عليهم وإن كانوا على طريق المخالفة ، لكنهم لمّا أظهروا لزوم الباب بدت عليهم آثارها في قبول الجزية وتحليل المناكحات والانتساب إلى التزهد والرهبانية . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 83 إلى 85 ] وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 )