قيل في قوله :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
« 1 » أي : يعصمك منهم أن يكون منك إليهم التفات ، أو يكون لك بهم اشتغال .
قيل : يعصمك من أن ترى لنفسك فيهم شيئا ، بل ترى الكل منه وبه .
وقال الأستاذ في قوله :
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
: أي : بيّن للكافة أنك سيد ولد آدم ، وأن آدم من دون لوائك .
ويقال :
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
إني أغفر للعصاة ولا أبالي ، وأرد المطيعين من شئت ولا أبالي .
ويقال في قوله :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
أي : حتى لا يغرق في بحر التوهم بل تشاهدهم كما هم وجودا بين طرفي العدم .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 68 إلى 70 ]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 )
قوله تعالى :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
إن خطاب اللّه سبحانه ذو صفتين : صفة القهر ، وصفة اللطف ، فمن تجلّى القرآن بقلبه بصفة اللطف يزيد نور بصارته بلطائف حكمته ، وحقائق أسراره ، ودقائق بيانه ، ويزيد بذلك نور إيمانه وتوحيده ، ويعرف بذلك ظاهر الخطاب وباطنه ، ومن يتجلّى لقلبه بصفة القهر يزيد ظلمة طغيانه ، وقلّة عرفانه بحيث لا يدرك فهم الخطاب ، ويزيد لحظة بعد لحظة ظلمة قلبه ؛ لأن القرآن صفة اللّه وصفته لا نهاية لها ، إما برؤية اللطف أو برؤية القهر ، قال تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] .
قال الواسطي : هم الذين تولى اللّه إضلالهم وصرف قلوبهم عن درك دقائق الحكمة .
هامش
( 1 ) أي : يحفظ ظاهرك من أن يمسّك أذاهم ، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدوّ ، أو يصون سرّك عنهم حتى لا يقع احتشام منهم ، ويقال : يعصمك من الناس حتى لا تغرق في بحر التوهم ؛ بل تشاهدهم كما هم ؛ وجودا بين طرفي العدم [ تفسير القشيري ( 2 / 148 ) ] .