تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 86 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) قوله تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
وصف اللّه سبحانه أهل خالصة الإيمان بحسن الإصغاء عند سماع الذكر والخطاب ؛ حيث شاهد عقولهم بشواهد الكتاب بنعت الانبساط ، وشاهد قلوبهم حلاوة الخطاب ، وشاهد أرواحهم مشاهد جمال الأنبياء ، وشاهد أسرارهم أنوار الصفات بوصف إدراك لطائفها ورؤية نوادر عجائبها ، فوردت سواقي بحار علومها ، وشربت مفرحات عجائب مكنونها ، ورأت غرائب تجلّي عرائس غيبها ، وهاجت إلى طلب معادنها بنعوت شوقها إلى جمال المخاطب ، فلمّا أدركته عرّفته بالألوهية ، وعلمته بالوحدانية ، وعشقته بما رأت من لطيف خطاب معهم وعرفان أسراره فيهم ، فأثرت ما أدركت في الأشباح حتى اضطربت وأدمعت عيونها بدمع الشوق ، واحترقت قلوبها بنيران العشق في مجالس الذكر والسماع ، فعرف اللّه صدق عرفانهم ومواجيد قلوبهم بالعلامة الصحيحة ، وهي سيلان قطرات الدموع الأسحان بوصف الهيجان على حدود أهل العرفان بقوله :
وَإِذا سَمِعُوا
إلى قوله :
مِنَ الْحَقِّ
أي : إذا وجدوا في سماع الخطاب ما فاتوا من لطائف حقائق أسراره وعرفوا حق قدر المخاطب والمخاطب استبشروا بالوجدان ، وحزنوا من ضرر الفقدان ، وهيج فرحهم وحزنهم إلى الشوق والبكاء ، وذلك البكاء من إصابة عيونهم قلوبهم إلى معارف الغيب ومصادفة أرواحهم شواهد القرب ، وربّ قتيل قتله سماع القرآن من غمرات المعرفة وغشيان النور على قلوبهم . روي عن جنيد قال : كنت قائما أصلي فقرأت هذه الآية
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] ، فرددتها مرارا ، فنادى مناد من ناحية البيت كم تردد هذه الآية ، فلقد قتلت بها أربعة نفر من الجن لم يرفعوا رؤوسهم إلى السماء حتى ماتوا من ترديدك هذه الآية . وكان الصديق رضي اللّه عنه عنه لا يتمالك بكاءه عند سماع القرآن . ثم وصف اللّه سبحانه وتعالى مؤمني أهل الإنجيل بزيادة التصديق بما ذكره في كتابه من قولهم :
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
أي : صدقناك بما عرفتنا قدر رسولك وأصحابه ؛ فإنهم شاهدون قربك ووصالك . قال ابن عطاء في تفسير قوله :
وَإِذا سَمِعُوا
: كادت جوارحهم وقلوبهم أن تنطق بقبول الوحي قبل سماعه في مشاهدة المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم ، ولمّا سمعوا منه لم يطيقوا حمله إلا ببكاء فرح ، أو بكاء حسرة ، أو بكاء دهشة ، أو بكاء حرقة ، أو بكاء معرفة ، كما قال اللّه :
مِمَّا عَرَفُوا