تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
قال شقيق : التوكل طمأنينة القلب بموعود اللّه . قال سهل : التوكل طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية . قال الواسطي : من توكّل على اللّه لعلّة غير اللّه فليس بمتوكّل على اللّه ، جعله سببا إلى مقصوده ، وفي ذلك قلّة المعرفة بربّه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 25 إلى 27 ] قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) قوله تعالى :
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
من بلغ عين التمكين ملك نفسه ، وملك نفوس المريدين ؛ لأنّه عرفها بمعرفة اللّه ومعها من اللّه سلطان سائس قاهر ، من نظر إليه يفزع من اللّه ، لا يطيق عصيانه ظاهرا وباطنا ، فأخبر عليه السلام عن محل تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه ، وأعلمنا أن بينهما اتحادا ، بحيث أنه إذا حكم على نفسه صارت نفس أخيه مطمئنة طائعة للّه بالانفعال ، قال صلى اللّه عليه وسلّم : « المؤمنون كنفس واحدة » « 1 » ، ويمكن أنه عليه السلام كان مخبرا عن مقام القدرة التي اتصف بها من اللّه سبحانه ، وفيه بيان لطف استعداد لهارون عليه السلام بقبول تلك القدرة الإلهية . قال سهل في قوله :
لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
: أي : في مخالفة هواها . قيل : في بذلها للّه واستعمالها في طاعته . قال الأستاذ : لمّا ادّعى أنه يملك نفسه عرف عجزه عن ملكه لنفسه ؛ حيث أخذ برأس أخيه يجره إليه ، تقدّس شأن موسى عليه السلام من كل خاطر ، إشارته إلى أنه لا يعرفه مكان عجزه من النفع والضرّ في ذرة ؛ لأنه عرف أن سلطان قهر اللّه غالب على كل شيء ، وأن الحدث له قدر في الربوبية عند ساحة الكبرياء . قوله تعالى :
إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ
من لم يسبق له في الأزل عناية اللّه صار إحسانه إساءة ، وطاعته تؤول إلى المعصية . كما قيل : من لم يكن للوصال أهلا فكل إحسانه ذنوب ، قرّب هابيل بقربان نفسه للّه ، وقرّب قابيل لحظ نفسه بغيا وحسدا على أمر كان مشرفا بتأيد اللّه ، فلا جرم حاله كان يؤول إلى
هامش
( 1 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ .