بذاته إلى سبل معرفة صفاته ورضوانه ما رضي للأنبياء والأولياء في الأزل من إصابة أبصارهم إلى محل الرضوان الأكبر ، وهو غاية رعاية حسن تجليه بنعت العيش في مراده ، ولا تحصل المتابعة إلا لمن سبق في الأزل رضاه له .
وأيضا : يهدي بالقرآن من اتبع محمد صلى اللّه عليه وسلّم إلى سبل السلامة التي توصّل المؤمن بالتوحيد إلى كشف جماله وحسن وصاله بالعوافي .
قيل فيه : يهدي اللّه لأسلم المسالك في سبيل إرادته من خصّه برضوانه .
قيل : إيجاده ليوصله الرضوان إلى محل الرضا والتسليم .
قوله تعالى :
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي : من أوصله إلى سبيل الهدى يطهّر أسراره عن خطوات الشك والريب والاعتراضات النفسانية والخطوات الشيطانية ، فإذا كان مقدسا من هذه الشوائب يكشف له أنوار الأزليات والأبديات ، وليس كل من وصل إلى هذه المراتب وصل إلى محل الاستقامة في المعرفة والتوحيد ، فيختصّ به من يشاء من سبق له عناية الأزل بوصوله إلى محل التمكين الذي لا تجري فيه بعد ذلك أحكام التردد والامتحانات الظاهرة .
قال ابن عطاء : يهدي لنوره من رضي عنه في الأزل ، وخصّه بكرامات الولاية ، وخرجه من ظلمات الاعتراض إلى نور الرضا والتسليم .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 18 إلى 19 ]
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 )
قوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
وسمع كفرة اليهود والنصارى ذكر سباق الحقيقة أنهم وصلوا إلى ساحات الكبرياء بكشف مشاهدة البقاء ، وسكروا بوجه القدم ، وصاروا بنعت الانبساط في مجالس الأنس ، فمن سكر المحبة ادّعوا القربة ، ومن سكر الأنس وحلاوة الانبساط ادّعوا نبوة الأسرار من الأنوار ؛ حيث ظهرت أنوار صفات الأزل ، وسقطت من زنودها أنوار أسرار الأرواح ، كما قال الواسطي : أنا أمن الأزل والأبد ، وغلطوا في الطريق ، ولم يعرفوا حقائق قول المتقدمين من جهالتهم بمقامات الأولياء والصديقين ، فردّ اللّه دعواهم إلى أعناقهم المنكسرة حين ألزم الحجة عليهم