تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
الذي أصل جوهر الماء ، كذلك جميع الأعضاء ، فإذا كان العبد بهذه الصفة في الطهور أجدر أن يكون مقبلا إلى اللّه بوجهه . قال عليه السلام : « من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره » « 1 » . والإشارة في الآية إلى تطهير الأسرار من الالتفات إلى الأغيار لاقتباس الأنوار بمياه الحزن التي تجري من عيون قلب المجروح بالمحبة على سواقي العين ، فإذا كان مطهرا من غير الحق فصلواته مواصلة ، وحركاته قربة ، وقراءته زلفة ، وقيامه محبة ، وركوعه خشية ، وسجوده شهود ، وتحياته انبساط ، ودعواته مستجابة ، أي : إذا قمتم عنكم إلى وصلتي ومشاهدتي طهّروا أنفسكم من الحدوثية في بحار الربوبية حتى تصلوا إليّ بي ؛ لأن الحدث لا يقوم بإزاء القدم . قال أبو عثمان : شرائط الطهارة معروفة ، وحقيقتها لا ينالها إلا الموفقون من طهارة السرّ ، وأكل الحلال ، وإسقاط الوسواس عن القلب ، وترك الظنون ، والإقبال على الأمر بحسب الطاقة . وقال سهل : أفضل الطهارات أن يظهر العبد من رؤية طهارته . قوله تعالى :
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
« 2 » تواتر العزائم بغير الرخص حرج ثقيل على المستأنسين باللّه مما سوى اللّه ، مانعة لأهل المجاهدة بقيودها عن الاقتحام إلى عالم الشهوات ، فرفع الحرج عن المحبين ، وبسط الكرم للمشتاقين ، وسهّل أحكام العبودية على العارفين بوضع الرخص ؛ زيادة لاستشواقهم إلى مشاهدته ، وتقديسا لأسرارهم بنور مشاهدته ، وهذا معنى
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
، أي : أنه لا يريد نصب المجاهدة على أهل المشاهدة ؛ لأنه تعالى أضاف تطهير أسرارهم إلى نفسه لا إليهم ، قال :
يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
، وما قال : « لتتطهروا » ، أي : يطهّركم عنكم بنور مشاهدته .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 216 ) . ( 2 ) يعني : يطهركم من أحوالكم وأخلاقكم وأفعالكم ، لترجعوا إليه بحقيقة الفقر من غير تعلق بسبب من الأسباب ، والطهارة على سبعة أوجه : طهارة العلم من الجهل ، وطهارة الذكر من النسيان ، وطهارة الطاعة من المعصية ، وطهارة اليقين من الشك ، وطهارة العقل من الحمق ، وطهارة الظن من النميمة ، وطهارة الإيمان مما دونه ، ولكل عقوبة طهارة ، إلّا عقوبة القلب ؛ فإنها قسوة . [ تفسير التستري ( 1 / 24 ) ] .