قال بعضهم : يريد أن يطهّركم من أفعالكم ، وأحوالكم ، وأخلاقكم ، ويقينكم عنها لترجعوا إليه بحقيقة الفقر من غير تعلق ، ولا علاقة بسبب من الأسباب .
قال الأستاذ : يلوح من هذه الآية إشارة إلى أنه إذا نفى المريد عن أحكام الإرادة ، فليحط رحله بساحات العبادة ، وإذا عدم اللطائف في سرائره فيستدم الوظائف على ظاهره ، وإذا لم يتحقق بأحكام العبودية ، فلا يخلون من آداب الشرعية ، وإذا لم يخرج عن الفضلة ، فلا يدنس تصرفه بالحرام والشبهة .
وقال في قوله :
وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
: أي : يطهّر ظواهركم عن الذلّة بعصمته ، ويطهّر قلوبكم عن الغفلة برحمته .
قوله تعالى :
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
إتمام النعمة هاهنا بيان العبودية للعباد ، وتعليمهم آداب المعاد ؛ لينالوا بها رؤية المنعم بنعت الخجل عن أداء واجب حقوقه بنعت ما يليق بجلاله ، وهذا هو الشكر المطلوب من عباده بقوله :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
.
قال الأستاذ : إتمام النعمة لقوم نجاة نفوسهم ، وعلى آخرين نجاتهم عن أنفسهم ، فشتّان بين قوم .
قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ
نعمة اللّه هداية اللّه السابقة في الأزل لأهل سعادة المعرفة منهم إلى نفسه بنعت المشاهدة والشوق إلى لقائه ، والميثاق الذي واثق به عباده ألا ينشغلوا عنه بغيره إلى الأبد ، وإن كان الجنة وما فيها .
قال أبو عثمان : النعمة كثيرة ، وأجلّ النعم المعرفة ، والمواثيق كثيرة ، وأجلّ المواثيق الإيمان .
قال الواسطي : أنعم اللّه على خلقه لكي يشهدوا المنعم بالنعم .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 8 إلى 11 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 10 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 )