تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 4 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 4 ) قوله تعالى :
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
خشية اللّه هاهنا حوالة إلى رؤية سبق العارفين في الأزل ، أي : إذا وقع أمر الامتحان عليكم بواسطة الخلق أقبلوا إليّ بنعت معرفتي ومحبتي ، ولا تفزعوا منهم ؛ فإنهم مكان امتحاني ، فإذا عرفتموني عرفتم مكان الامتحان ، فلا تبقى إذا الخوف من غيري ، قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ، فإذا استحكم عقد الخشية منهم فيظهر للعالم باللّه سرّ إفراد القدم عن الحدوث . قيل : فيه قطعك عن الكل قطعا ، وجذبك إليه جذبا بهذه الآية :
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
. قال ابن عطاء : لا تجعل لهم من قلبك نصيبا ، وأفرد قلبك لأن تجدني بصفة الفردانية مقبلا عليك . وقال سهل : أعجز الناس من خشي من من لا ينفعه ولا يضره ، والذي بيده النفع والضرّ يخاطب بقوله :
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
. في قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
أراد في الأزل وأزل الأزل بلا علّة العمياء ، والأزل منزّه عن دهر الدهار والأزمنة الفرارة أن يظهر كنوز صفاته وخزائن جود ذاته محبة منه ومعرفة لعباده ، كما قال تعالى : « كنت كنزا مخفيّا ، فأحببت أن أعرف » « 1 » ، فيتجلّى للعدم من القدم ، فظهر العباد ، وألزمهم سمة العبودية ، وكشف أنوار أفعاله لهم ، فعبدوه برؤية نور أفعاله وصنائعه ، ثم كشف لهم أنوار الصفات ، فأحبوه برؤية نور الصفات ، فلمّا حان وقت خروج سيد الأولين والآخرين وأصحابه وأمنه من العدم بسط بساط العطايا لهم حتى وقفوا على بساط لطفه وكرمه ، وربّاهم بحسن عنايته ، ثم تجلّى لهم بنور الأسماء والصفات ، وربّاهم بها إلى أن بلغوا حدّ الاستقامة في المحبة والشوق ، فكشف لهم جلال ذاته ، فعرفوه بنور الأسماء والنعوت والأفعال والصفات ، فلمّا عرفوه بمعرفة الذات كملت أحوالهم للكشف والمشاهدة والمعرفة والتوحيد ، ولم يحتجبوا عنه ببركة مشاهدة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وتواصلت الكشوف والتجلّي بالتجلّي ، قال تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
، حيث ما أكملت لأحد من خلقي ما أكملت لكم . وما ذكرنا بمجموعه قد أشار عليه السلام إليه بقوله - صلى اللّه عليه وآله وسلم - « جاء اللّه
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .