قال بعضهم : يا غيب ، وأي سرّ ، وها تنبيه وإخراج ، وآمنوا وصف المحبين .
قال أبو الحسين الفارسي في قوله :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
أمر اللّه عباده بحفظ السياسية في المعاملات ، والرياضات في المحاسبات ، والحراسة في الخطرات ، والرعاية في المشاهدات ، فليس للعبد من هذه الأسباب مهرب ، ولا له عنه محيص .
وقال بعضهم :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
عقد القلب بالمعرفة ، وعقد اللسان بالثناء ، وعقد الجوارح بالخضوع .
وقال جعفر بن محمد في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
: أربع خصال : نداء ، وكناية ، وإشارة وشهادة ،
يا أَيُّهَا
نداء وأي : خصوص النداء ، وها كناية ، و
الَّذِينَ
إشارة ، و
آمَنُوا
« 1 » شهادة ، أشار رضي اللّه عنه وما فسّر ، وأراد - واللّه أعلم - أن الياء نداء الأذل ، تقاضى بها وصول المشتاقين إلى الأزل بالأزل ، فخرجت الأرواح العاشق بنداء القدم من العدم ، وأي خطاب بسط لأهل الخصوص من أهل الانبساط ، والهاء للغائبين في جلاله ، والغائبين في سطوات عظمته وكبريائه ، المتحيرين في دائرة هويته ، كنّاهم بوصف الهوية ، و
الَّذِينَ
إشارة إلى الواقفين بطلب هلال جماله في سماوات عظمته ،
آمَنُوا
وصف قبولهم أمانته الأزلية ، وهي المعرفة القائمة بالأزلية التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها .
وقوله :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
هذا كناية عتاب ؛ حيث طلب منهم الوفاء بعهد الأزل حين قبلوا أمانة المعرفة ، وأقرّوا بالربوبية في معاينة المشاهدة ، عقد مع الأرواح العارفة في الأزل بظهور صفاته تعالى لهم ، ففي كل كشف صفة لها عقد وعهد لاتصافه بها ، فطارت بوصف الصفات ونورها في الأشباح بطلب الحق سبحانه الأرواح والأشباح بفوائد التخلق والاتصاف بالصفات في الأزل ؛ ولذلك قال :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
؛ لأن العقود جمع عقد وعهد أخذها الأرواح .
قيل : الأشباح في فضاء الأزل .
قيل : أول عقد عليك عقد إجابتك له بالربوبية ، فلا تخالفه بالرجوع إلى سواه ، والعقد الثاني عقد تحمّل الأمانة فلا تحقرنّها .
هامش
( 1 ) الإيمان صنفان : أحدهما يشير إلى عين الجود ، والثاني إلى بذل المجهود ؛ فبذل المجهود خدمتك ، وعين الجود قسمته ؛ فبخدمتك عناء الأشباح ، وبقسمته ضياء الأرواح ، وحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب [ تفسير القشيري ( 2 / 83 ) ] .