تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
وعقله ، وامتلأ من سنا الألوهية أسراره حين انعقد عقد وجوده ، كاد الحال أن يسلبه من رؤية العبودية ، فأدركه تأييد الحق حتى رأى الحدث محوا في القدم ، فلم يدّع الربوبية ، ونطق في المهد بالعبودية بقوله :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
[ مريم : 30 ] ، لم يكن كابن الحلاج - رحمة اللّه عليه - حين ادّعى بالأنائية من سكر العشق والمحبة ، وفنائه في الأزلية ، واتصافه بالأبدية ؛ لأنه كان في منزل التلوين ، بل حاله كان كحال سيد البشر صلى اللّه عليه وسلّم حين عاين الحق بالحق ، فخرج من بحار الذات بنعت الاتصاف بالصفات ، ورأى اضمحلال الحدثان في جمال الرحمن ، فنطق بالعبودية وقال : « أنا العبد لا إله إلا اللّه » « 1 » ، وهكذا أهل القدس في الملكوت تلاشوا في سبحات عزّته ، وقالوا : « ما عبدناك حقّ عبادتك ، وما عرفناك حقّ معرفتك » « 2 » ، وكيف لا يكون ذلك وقهر الجبروت استولى على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وجرها بأزمة العظمة والكبرياء في تراب ساحات عزّته ، راغمة في جناب جبروته والألفة من عبادة صانعها مستجبلة ! لأن كونها وتكوينها محض عبادته ، لأنها تكون بداعية القدم من العدم ، خصّ ذكر عيسى عليه السلام والملائكة لأنهما موضع إشارة الكفرة نسبتهم إلى الألوهية ذكر عيسى عليه السلام بالأول وأتم ذكر الملائكة . وبين ظاهر الآية تخصيص الملائكة على عيسى عليه السلام ، والمراد من ذلك أنهم سماويون نجباء الحضرة وأشياخ القدرة ؛ لأنهم أفضل من عيسى عليه السلام ، وأشار بوفق رسوم خواطر الكفرة ، وإلا كيف يكون هم أفضل من الأنبياء ، والأنبياء جلاليون قدسيون ، والملائكة روحانيون ملكوتيون قبل ، لا يأنف أحد من القيام بالعبودية ، فكيف يأنف منه وبه يتقرب إلى مولاه . وقيل : كيف يأنف أحد من عبودية من يظهر على العبيد آثار صنائع الربوبية كما أظهر على عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وغيره . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 174 إلى 175 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 )
هامش
( 1 ) ذكره ابن عجيبة في « البحر المديد » ( 2 / 453 ) . ( 2 ) رواه الطبراني في « المعجم الكبير » ( 2 / 184 ) .