[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 3 إلى 4 ]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا ( 3 ) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( 4 )
يا أَيُّهَا النَّاسُ
أي : أيها الناسي عهد الأزل وميثاق القدم بشرط وفاء العبودية بعد خطابي ومعرفتي وتعريفي نفسي لكم ، حيث قلت :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] ، فأجبتم بقولكم :
قالُوا بَلى
.
وأيضا : أيها الناسي جمال مشاهدتي ؛ حيث أخرجت أرواحكم من العدم بتجلي أنوار القدم ، فبصرتها بمشاهدتي ، وأسمعتها خطاب أزليتي باشتغالكم على حظوظ البشرية ومأمول الطبيعة .
وأيضا : أيها المستأنس بالمستحسنات من الأكوان والحدثان طلبا لمشاهدتي اعلم أنها أعظم الحجاب ؛ لأنها وسيلة حدثية وإيصال إلى أحد إلا بي ، ورؤية الأشياء في رؤيتي مكر .
وأيضا : أيها المستأنس في المستوحش من غيري فلا تغرنّ بي ؛ فإنك لي لا لك .
وأيضا : أي : أيها الناسي أنفسكم التي هي مخلوقة من الجهل بي ، فلا تخافون حيث ادّعيتم معرفتي ، ومعرفتي للقدم لا للحدث .
وأيضا : هذا خطاب لبني آدم ، أي : أيها الذين انتسبتم إلى ابن الماء والطين الذي اشتغل عني بأكل حبة حنطة حتى بكى عليها مائتي سنة إيش تفعلون بعده في مواقف القربة ، وتنزل المشاهدة بعد المعرفة ، فإن عذاب الفراق أليم ، لو تعرفون أنفسكم لا تشتغلون بالحدثان ، فإني اصطفيتكم بمشاهدتي وخطابي من بين البريات ، أما سمعتم قولي :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : 70 ] ، وهذا الخطاب خطاب العتاب للمفارقين أوطان المآب ؛ ألا ترى إذا غضب عظيم على خادمه لم يسم باسمه ، ويقول : يا إنسان . ولا يقول : يا حسن ، يا أحمد ، أي أنت على محل الجهل بمرادي منك .
والإشارة فيه : إن اللّه سبحانه عرف أمر المعرفة عباده حيث اشتغلوا بسواه ، كأنه نبههم عن رمدة الغفلات بزواجر هذا الخطاب ، ويقول : أيها الناقضون عهد المعرفة والعشق ، أما تستحيون مني باشتغالكم بغيري ، اتقوا من فراقي وعتابي .
قال بعضهم : يا بني النسيان والجهل .
وقال ابن عطاء : أي كونوا من الناس الذين هم الناس ، وهم الذين أنسوا به ، واستوحشوا مما سواه .