تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
قال القاسم : الإيمان أنوار الحق إذا اشتملت على السريرة ، وهو أن يغيب العبد تحت أنواره ، ويبدو له نجم الاحتراق فيغيبه عن وساوس الافتراق ، فيكون مصحوب الحق في أوقاته ، لا يشعر بتسخيره ، ولا يعلم بحجابه ، وإنما حجب الكل بالكل ، وحجب كلا بكليته ، وقمع كلا بحده ، لئلا يستوي علم أحد مع علمه ، فهذا هو صريح الإيمان . وقوله تعالى :
رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
أي : اغفر قصور معرفتنا بك فإنه أعظم الذنوب ؛ حيث نطلب معرفة القدم بالحدث ، وكيف يكون مقارنة القديم بالمحدث ،
وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا
أي : تجاوز بكرمك عن كل خاطر يشير إلى غيرك بعد ما وجدنا حلاوة وصلتك ،
وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
أي : توفنا مع الذين أنعمت عليهم بكشف مشاهدتك لهم ، وإيقاع محبتك في قلوبهم ، واستشواقك من صميم أسرارهم إلى جمالك ، واكتسابهم بكسوة رضا القديم ، حتى وقفوا معك بشرك الرضا في كل بلائك وامتحانك . قال الشيخ أبو عبد الرحمن : مع من رضيت ظاهرهم للخلق ، وباطنهم لك . وقيل :
الْأَبْرارِ
: هم القائمون على حد التفريد والتوحيد . وقال سهل : الأبرار هم المتمسكون بالسنّة . وقال بعضهم : هم الناظرون إلى الخلق بعين الحق . قوله تعالى :
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
أي : نحن احترقنا بنيران محبتك ، فأرونا بحسن مشاهدتك التي وعدت رسولك بقولك :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] ، وأيضا
وَآتِنا ما وَعَدْتَنا
بلسان رسلك ، إنّ من اتبعهم تعطيه محبتك وسنيات آياتك وكراماتك ؛ حيث قلت :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
. وقوله تعالى :
وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي : لا تحجبنا بنعمتك عنك ؛ حيث يشتغل أهل الفريقين بأنفسهم ، وهذا الدعاء من المعرفة تنزيه الأزلية عن الحدوثية ، واستغناء الربوبية عن العبودية ، حتى لو يحرق جميع الأنبياء والمرسلين ، لا يبالي بهم ، ولا تنقص من ملك جلاله ذرة لك ، عرفوا ما سبق لهم من حسن العناية ، فستزادوا تواتر الأنعام ؛ حيث تسلى الحق سبحانه قلوب الخائفين القانتين في رؤية العظمة ، بقوله : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 222 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )