تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
قال ابن عطاء : لو نظروا إلى المنعم لتنقص عليهم الاستبشار بنعمه وفضله ، وكان استبشارهم بالمنعم المتفضل . قوله تعالى :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
استجابوا للّه بحب شاهدته ، والاشتياق إلى جماله ولطائف قربه ، ولذائذ صحبته ، وللرسول صلى اللّه عليه وسلّم لما عليه من آثار أنوار صفاته ، وفيه إشارة إلى مقام الاتحاد حيث الأمر واحد ، وإنّ اللّه سبحانه وتعالى وصفهم بحسن الإرادة في محبته ، وطلب جماله ببذل أرواحهم بعد احتمال آلام الامتحان على أبدانهم بقوله :
مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
. قال الواسطي : استجابوا للّه بالوحدانية ، وأجابوا الرسول باتباع أوامره ، واجتناب نواهيه ، وقبول الشريعة منه على الرأس والعين . وقوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ
أي : للذين بلغوا مقام الإحسان وهو رؤية اللّه في مقام الامتحان ،
وَاتَّقَوْا
جميع الحجاب بينهم وبينه إحسانهم إلقاء نفوسهم وهواجسها عند قبولهم مراد الحق بعد خروجهم عن مرادهم ، و
أَجْرٌ عَظِيمٌ
الذي وصفه اللّه بإعداده لهم ، هو إيصالهم إليه بغير الهجران والعتاب ، والحساب والحجاب « 1 » . وقيل :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ
في إجابة المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم ،
وَاتَّقَوْا
مخالفته سرّا وعلنا ،
أَجْرٌ عَظِيمٌ
هو البلوغ إلى المحل العظيم من مجاورة الحق ومشاهدته . قال الأستاذ : في هذه الآية استجابة الحق بالتحقيق بوجوده ، واستجابة الرسول بالتخلق بما شرع من حدوده ، واستجابة الحق بالصفاء في حق الربوبية ، واستجابة الرسول بالوفاء في إقامة العبودية ،
مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
في ابتداء مقاماتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم ، وابتسام الحقائق في أسرارهم ،
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ
الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، وهو المشاهدة ،
وَاتَّقَوْا
« فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » ، وهو المراقبة في حال المجاهدة أجر عظيم لأهل البداية ، مؤجلا ولأهل النهاية معجلا . قوله تعالى :
فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
قدّس الحق سبحانه حضرة
هامش
( 1 ) كذا سنّة الحق - سبحانه - مع من صدق في التجائه إليه أن يمهد مقيله في ظل كفايته ؛ فلا البلاء يمسه ، ولا العناء يصيبه ، ولا النّصب يظلّه . انظر : تفسير القشيري ( 1 / 421 ) . ( 2 ) سبق تخريجه .