تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
فخطابه مع جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين ، والأصفياء الصديقين العارفين الموحدين ؛ لأن الأزلية منزّهة عن إدراك الخلائق أجمعين ، وخاصية نبينا صلى اللّه عليه وسلّم في هذا المعنى رؤية هذه المعاني بنعت الكشف له ، وابتسام إصباح الأزل في وجهه ، لا بنعت الإحاطة وإدراك الكلية ، وذلك قوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
مثل محمد صلى اللّه عليه وسلّم وعيسى وموسى وإبراهيم وآدم صلوات اللّه عليهم أجمعين ، وذلك مشروح في قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 ، 27 ] . قيل :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
وأنتم تلاحظون أشباحكم وأفعالكم وأحوالكم ، وإنّما يطلع على الغيب من كان أمين السر والعلانية موثوق الظاهر والباطن ، ثم يفتح له من طريق الغيب بقدر أمانته ووثاقته ، ألا تراه يقول :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 ، 27 ] ، هو الفاني من أوصافه ، المتّصف بأوصاف الحق . وبيّن أن بعض الغيب مظهر للنبي صلى اللّه عليه وسلّم بقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ، وذلك حكمه بالغيب ، وحكمه على الغيب بقوله : « عشرة من قريش في الجنة » « 1 » . ومثل ما أخبر عن اللّه سبحانه وعن أمر الدنيا والآخرة قوله تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
إن اللّه تعالى زجر الستارين هاهنا بكتمان المكاشفات ، وحقائق الواردات ، ووقائع المغيبات عن الطالبين ؛ لأن أصل السخاء تخليص المتحيرين عن درك الامتحان ، وإرشادهم إلى طريق العرفان ، وأي سخاء أعظم من إظهار مواهب اللّه على المريدين لاستزاد محبتهم وجه اللّه سبحانه ، واستكبار شوقهم إلى جماله ، وتحبيبهم أعمالهم وعبوديته ، وتصديق ذلك قوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
[ الضحى : 11 ] . ومن كان يطيق ما ذكرنا من إرادة الخير على طلاب اللّه كيف لا يطيق بذل نفسه وماله وروحه في طريق الحق فداء لأولياء اللّه ، لأنهم معدن السخاء ، والسخاء منهم ينشعب ، والسخاء بالمال وصف المريدين ، وبالنفس وصف المحبين ، وبالروح وصف العارفين ، والبخل بجميع الأشياء أعمى النفس الأمّارة عن رؤية منن بحار القدم ، والسخاء انفتاح عين القلب على ذخائر القدرة ، وكنوز الألوهية المملوءة من الآلاء والنعماء ومباشرة تجلي الوهابية
هامش
( 1 ) رواه البزار في مسنده ( 4 / 95 ) ، والنسائي في « السنن الكبرى » ( 5 / 60 ) ، والطبراني في « الأوسط » ( 2 / 351 ) .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 213 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )