تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
نور الصفة فيكون خارجا عن الصفة الأولية صفة ، والأخروية صفة ، والآخر أول في النعت ، فمن كان نعته أولية فيكون نعته أخروية ، وإذا خرج من الحدثان إلى جمال الرحمن لم يجر عليه صفات الحدث بعده عن صفة الموت والفناء ، بل يصير حيا باتصافه بحياة الحق ، وحياة الحق أبدي ، لم يجر عليه علل حياة الإنساني وموت الإنساني ، وهذا من فيض نور مشاهدته وعنديته ؛ لأن مقتول السيف التجلي يحيا بقبض القربة والعندية ، ومن يكون في العندية كيف يفنى ويموت وهو مشاهد في شهود الحق إياه ورزقه فيض مزيد مشاهدة الحق ، وزيادة اتصافه ببقاء الحق ، وفرحه بنيل بقائه من بقاء الحق « 1 » . ومن قتل بسيف الإرادة فهو باق بنور القربة ، ومن قتل بسيف المحبة فهو باق في سنا المشاهدة ، ومن قتل بسيف المعرفة فهو باق في أنس الوصلة ، ومن قتل بسيف التوحيد فهو باق بالوحدة في الوحدة ، وحياة هؤلاء من تجلي الأزلية وشهادة هؤلاء بغيرة العزة ، غار عليهم فأفناهم ، وأحبهم فأبقاهم . قال ابن عطاء : المقتول على المشاهدة باق برؤية شاهده ، والميت من عاش على رؤية نفسه ومتابعة هواه . قال أبو سعيد القرشي في هذه الآية : لا تظنن الهالكين في طريق الإرادة طلبا لوصله مردودين إلى مقاماتهم ، بل قد بلغ بهم غاية ما قصدوا من القرب والوصلة إحياء بقرب الحق عند ربهم في مجلس المشاهدة ، يرزقون زيادة الفوائد من أنوار الاطلاع فرحين بالغين أقصى رضاه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 171 إلى 175 ] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) قوله تعالى :
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
نعمة اللّه معرفة اللّه ومحبته وفضله مشاهدته ، فاستبشار القوم برؤية اللّه وجلاله وقدمه وبقائه لا بشيء من الحدثان ، كانوا إذا نظروا إلى قدمه استبشروا بنعمة بقائه ، وإذا نظروا إلى بقائه فرحوا بمشاهدة قدمه .
هامش
( 1 ) ويقال : إن الذي وارثه الحي الذي لم يزل فليس بميت . انظر : تفسير القشيري ( 1 / 417 ) .