تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قال الحارث المحاسبي في قوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
: نسب ما كان منه في ذلك من اللين والمداراة إلى نفسه بقوله : برحمتي لنت لهم ، وما كان اللّه يقول لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم : إنك لنت لولا إنه لينه بمعرفته ووفّقه للمداراة . قال الفارسي : انظر كيف وصف اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلّم باللين والشفقة ، ثم عرّاه عن أوصافه فقوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
وذاك حق قيامك بنا وهجرانك الخلق أجمع . قال الأستاذ : يقال : إن من خصائص رحمته سبحانه عليه أن قواه حتى صحبهم ، وصبر على تبليغ الرسالة مع الذي كان يقاسيه من أخلاقهم مع سلطان ما كان مستغرقا له ، ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه ، فلولا قوة الإلهية استأثره الحق بها ، وإلا متى أطاق صحبتهم ، ألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه ، كيف له يصير على مخاطبة أخيه
وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ
[ الأعراف : 150 ] . وقال الأستاذ في قوله :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لو سقيتهم صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظ ، لتفرقوا هائمين على وجوههم غير مطيقين الوقوف معك لحظة . وقوله تعالى :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
إذا كان في محل العبودية وأمور الشريعة وعالم العقل أمر للّه بحسن معاشرته معهم واستبشارهم في وقائع مستقبلات القدر ، كيف يقبلونها بالعقول والقلوب بنعت التفكر والصبر في أحكامه ؛ لأنهم كانوا يشربون من سواقي بحاره ، ولأنهم في مقام الولاية ، وهو في مقام الرسالة والنبوة وهما واحد في عين الجمع ، يرون الغيب بنور الفراسة ، وهو يراه بأنوار النبوة والرسالة ، وكان عليه السلام يحتاج في محل العبودية إلى نصرة الصحابة له في الدين . وإذا كان في مشاهدة الربوبية ، وخرج من التفرقة إلى الجميع ، أمره اللّه سبحانه بإفراد القدم عن الحدث ؛ حيث تجرد في سيره عما للّه إلى اللّه بقوله :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فإنه حسبك فيما يريد منه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 160 إلى 163 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 )