تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
قال الواسطي : أي كونوا كأبي بكر لما كانت لنسبته إلى الحق أتم لم يؤثر عليه فقدان السبب ولما ضعف نسبتهم أثّر عليهم ، فعمر بن الخطاب قال : « من قال مات محمد ضربت عنقه » ، وأبو بكر نظر إلى ما دلّ عليه المصطفى صلوات اللّه وسلامه عليه ، فقرأ :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
. قوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
إنّ اللّه سبحانه خلق قلوب هذه الأمة وقت إيجادها في رؤية جمال القدم ، ونورها بالحسن والرجاء ، وأخرج أرواحها من العدم إلى عالم البسط والسرور ، وسنا المشاهدة والسماع والحور ، وألبسها خلق اللطف ، فصارت مستعدة لرؤية الألطاف قابلة نور الأنس ، ومن كمال حكمة اللّه ولطفه علينا خلق نبينا صلى اللّه عليه وسلّم على خلق البسط وروح الإنس ، فوافقت المرافقة ، وحصلت في البين أهلية ، ودانت الأرواح وقربت الأشباح ، فبقيت الحشمة وفنيت الغلظة ، وصار رحمة تامة لهذه الأمة المرحومة ، وتصديق ذلك قوله تعالى :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
تبيّن من الخطاب لطف الجانبين نسب الفعل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم وإن كان غير متكلف في التليين ؛ لأنّه كان مخلوقا باللطف والكرم من اللّه ، وفيها الإشارة إلى تأديب الصحابة ، أي لو كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يدقق عليهم أحكام الحقائق لضاقت صدورهم ، ولم يتحملوا أثقال حقيقة الآداب في الطريق ، ولكن سامحهم بالشريعة والرخص بحقائق ما أوجبه اللّه عليهم ، وتصديق ذلك قوله تعالى :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
فالعفو والاستغفار من مسامحة اللّه لهم ، فاعف عنهم تقصيرهم قلّة عرفانهم أقدارك ، واستغفر لهم ما يجري في صدورهم من الخطرات التي لا تليق بالمعرفة ، وما يجري على صورهم من الحركات التي لا تليق بصحبتك ومجالستك ؛ لأنك مستغرق في الربوبية ، وهم يطلبونك في مقام العبودية ، وهم في وصف المحبة والإرادة ، فأنت في محل التوحيد مشاهد مطالع شموس الآزال وأقمار الآباد « 1 » . قال الواسطي في قوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
: جميع أوصافك وما يخرج من أنفاسك رحمة مني عليك وعلى من اتبعك . وقال ابن عطاء : لما علا خلقه جميع الأخلاق عظمت المؤنة عليه ، فأمر بالغض والعفو والاستغفار .
هامش
( 1 ) جرّده عن أوصاف البشرية ، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية ، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي ، لا من آثار الوفاق والتبري ، ولولا أنه استخلقه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة ؟ ! انظر : تفسير القشيري ( 1 / 409 ) .