تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
بموته أو برفع الوسائط بيني وبينكم ؛ لأنّ من شاهد الحق وعاينه تكون محبته وعبوديته بغير واسطة الربوبية ، قائمة بذاته ، أبدا ليس للأولياء والأنبياء إلا الإخبار والأنباء عند أمر اللّه ، وكشفه مراده لهم ، وخصّ من بينهم الصدّيق وأقرانه - رضي اللّه عنهم أجمعين . ألا ترى حين قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من كان يعبد محمدا ؛ فإن محمد قد مات ، ومن كان يعبد اللّه ؛ فاللّه حي لا يموت » « 1 » ، وهذا الوصف ظاهر في آخر الآية
أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
في الصديق ونظرائه رضوان الرحمن عليهم بقوله :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
يعنى : أبا بكر ، ومن كان قلبه مثل قلبه في الإيمان والإيقان شكرهم استقامتهم في الرب والولاية ، وجزاء شكرهم نصر اللّه وظفره لهم بانهزام المروة عن ساحة الشريعة . قال الواسطي : غضت البصائر عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلا لرجل واحد ، وهو فضل عليهم ، وهو الداعي إلى اللّه على بصيرة ، وهو أبو بكر ، فكأن هذه الآية خصّ هو بها ، وعجزت الأمة عن ذلك لضعف نحائرها ، ووهن بصائرها ، وبأن فضيلة أبي بكر بذلك ، وهو قول : « من كان يعبد محمدا ؛ فإن محمد قد مات » . وقال الحسين : ليس للرسول إلا ما أمر به أو كشف له ، ألا تراه لما سئل : « فيم يختصم الملا الأعلى » « 2 » ، يعني : لم يسمع حسّا ولا نطقا ، فلما غيب عنه شاهده فوقع الصفة عليه شاهدهم بشهود الحق ، وذهب عنه صفة آدميته فتكلم بالعلوم كلها . قوله تعالى :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا
بيّن اللّه سبحانه أن من قدرته إماتة حي أعظم من إيجاد حي وأعجب من إبقائه ؛ لأنّ في الموجود قدرة وليس في المعدوم قدرة ، وأيضا إشارة إلى أهل الرياضة ، أي أن النفس الأمّارة لا تزول بالرياضة والمجاهدة أنها تطمئن بإذن اللّه وبحلاوة ذكره ومناجاته . قال الواسطي : ليس نفس تملك الفناء والبقاء ، بل كان ذلك الآجال مضروبة ، كما قال تعالى :
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ
. وقوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها
ثواب الدنيا المعرفة ، وثواب الآخرة المشاهدة ، وأيضا ثواب الدنيا محبته ، وثواب الآخرة قربته ، وأيضا أي : من وقع في محل الإرادة وأرادني فقد أتجلى له بالآيات ومن الآيات
هامش
( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 66 ) .