تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 99 إلى 101 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 99 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ( 100 ) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 101 ) وبخهم بالكفر بعد شهودهم مشاهد الآيات بأمر الظاهر ، واستدرجهم بما أورثهم من الشهوات بقضاء الباطن ، وحذّرهم لشهوده على أسرارهم ليطردهم عن قربه ووصاله « 1 » . وقال الأستاذ : الخطاب بهذه الآية تأكيد الحجة عليهم ، فمن حيث الشرع تؤكد الحجة عليهم ، ومن حيث الحقيقة والقهر سد الحجة عليهم ، فهم مذعورون شرعا وأمرا ، مطرودون حكما وقهرا . قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
. نهاهم اللّه عن الصد والصد لا يكون إلا من الحسد ، والحسد مذهب المبغضين الذين لا يطيقون أن يروا على المريد أثر كرامة اللّه ، وهم في الحقيقة مصدودون ، والمصدود مطرود يضل ويضل . قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
ومن اعتصم به منه اهتدى به إليه ؛ لأنه في محل المعرفة ، ومن عرفه يستعيذ برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته ، وبه منه ، وهذا حال سيد الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليه - حيث قال في سجوده : « أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » « 2 » . وكان عليه السلام في ذلك الوقت في مشاهدة الجلال والجمال والكمال ، والقدم والبقاء والجبروت والكبرياء بنعت المعرفة على وجود الحق ، مستغرقا في بحار علوم القضاء والقدر ، ورأى ما رأى من عجائب قدرته ، واطّلع على بعض أسرارهم إرادته فخاف به منه إليه ، وأيضا من اعتصم باللّه هداه اللّه إلى معرفة عيوب النفس ، ودقائق الشيطان ، وأخلاق القلب ، وشمائل الروح ، وأوصاف العقل ، وأمور المعاملات ، وحقيقة الحالات ، وطلب المكاشفات ، والاطلاع على المشاهدات ، ولمة الملائكة ، وعلوم الإلهام ، والفراسات ، ويكون بهذه الخصال
هامش
( 1 ) ومن حيث الحقيقة والقهر يسدّ الحجة عليهم ، فهم مدعوون - شرعا وأمرا ، مطرودون - حكما وقهرا . انظر : تفسير القشيري ( 1 / 360 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 486 ) ، وأحمد في مسنده ( 1 / 96 ) ، والترمذي ( 5 / 524 ) ، وابن ماجة ( 1 / 373 ) .