تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 31 إلى 34 ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 32 ) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ( 33 ) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 34 ) قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
أي : قل إن ادّعيتم محبة اللّه وأنتم صادقون فيما ادعيتم فاتبعوني فإنّي سيد المحبين ، ورئيس الصدّيقين ، ومقدم المرسلين ، وقدوة المريدين حتى أريكم مغيبات المهلكات ، وغوامض طريق المنجيات ، ودقائق أحكام المشاهدات ، وأسرار لمعات المداناة ، وأرشدكم إلى أحسن المعاملات ، وأفضل الطاعات ، وأعملكم حسن الآداب ، ونفائس الأخلاق ، زاد إلى المآب ؛ لأنّ قد كوشفت بأسرار المحبة ، وأنوار القربة ، وإن متابعتي حقيقة شكر محبة المحبوب ، وإذا شكرتم اللّه بمتابعتي زادكم اللّه محبته ومعرفته ، قال تعالى :
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
، وقال :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] . وحقيقة المحبة عند العارفين والمحبين احتراق القلب بنيران الشوق ، وروح الروح بلذة العشق ، واستغراق الحواس في بحر الأنس ، وطهارة النفس بمياه القدس ، ورؤية الحبيب بعين الكل ، وغمض عين الكل عن الكونين ، وطيران السر في غيب ، وتخلّق المحب بخلق المحبوب ، وهذا أصل المحبة . أما فرع المحبة فهو موافقة المحبوب في جميع ما يرضاه ، وتقبل بلائه بنعت الرضا ، والتسليم في قضائه وقدره بشرط الوفاء ومتابعة سنة المصطفى - صلوات اللّه وسلامه عليه - وأما آداب أهل المحبة الانقطاع عن الشهوات واللذات ، والمسارعة في الخيرات ، والسكون في الخلوات والمراقبات ، واستنشاق نفخات الصفات ، والتواضع في المناجاة ، والشروع في النوافل والعبادات ، حتى صاروا متصفين بصفات الحق ، ومنقادين بنوره بين الخلق . قال اللّه تعالى : « لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى كنت له سمعا ، وبصرا ، ولسانا ، ويدا » « 1 » . وصرف المحبة لا يكون إلا بعد أن يرى الروح الناطقة بعين السر مشاهدة الحق بنعت الجمال وحسن القدم لا بنعت الآلاء والنعمة ؛ لأنّ المحبة إذا كانت من تولد رؤية النعماء تكون محبة معلولة ، وحقيقة المحبة ما لا علة فيها من المحب ، والحبيب شيء دون المحبوب . وقال أبو عمرو بن عثمان : محبة اللّه هي معرفته ، ودوام خشيته ، ودوام اشتغال القلب
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .