شرح قصّة نوح « 1 » عليه السلام
في محاورته مع ابنه الكافر وسؤاله ربّه في أمره . وكذلك في دعائه على قومه .
قال تعالى :
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ . قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
[ هود : 11 / 42 - 43 ] .
قالوا : كيف يصحّ أن يقول له
ارْكَبْ مَعَنا
، فيأبى ويظنّ أنّ الجبال تعصمه من الغرق ، مع قول أبيه له :
وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ
وفي إبائه أن يركب مع أبيه السّفينة مع عقوق أبيه والرّدّ عليه واعتصامه بغير السّفينة ، دليل على إثبات كفره ، إذ لو صدّق أباه في أنّ النجاة في السّفينة ، والهلاك في غيرها لم يقل ذلك .
وفي قوله أيضا مع اعتقاده أنّ الجبال تعصم من الماء ، تسفيه حلم أبيه ، إذ لو كان الاعتصام بغير السّفينة ، لكان الاعتصام بالسّفينة سفها من جهة الضّيق والتّغرير .
ونوح عليه السّلام أعلم النّاس بهذه الوجوه ، وهذه القرائن من أحوال ولده وأقواله ، فإنّها تدلّ على كفره بتكذيبه إياه وتسفيه حلمه ، وإذا كان هذا فكيف يسوغ له عليه السّلام أن يقول بعد ذلك :
رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
[ هود :
11 / 45 ] يعني في سلامة أهلي . وقد قيل له قبل ذلك :
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
[ هود : 11 / 40 ] وأقوال ابنه وأحواله تدلّ على أنه ممّن سبق عليه القول . وكذلك قوله
هامش
( 1 ) شرح قصة نوح عليه السلام في تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى 17 ، وعرائس المجالس 54 ، وابن كثير 1 / 104 ، وتفسير الطبريّ 12 / 25 ، وتاريخ الطبريّ 1 / 179 ، وتفسير الطّبري 9 / 30 .