تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وهنا نكتة شريفة يجب الاعتبار بها في قصّة مريم عليها السّلام عند هزّ الجذع ، وهي معضودة بقصّة أيّوب عليه السّلام في بركة ركضه ، وبركات بعض الأنبياء فيما لمسوه وركضوه وضربوه . وذلك أنّ معظم أهل الإشارة رحمهم اللّه أصفقوا « 1 » على أن مريم عليها السلام كان مقامها في الغرفة أعلى ممّا كان عند النّخلة . واستدلّوا على ذلك بما جاء في الخبر عن الرّزق الذي كان يجد عندها زكريا عليه السلام ، إذ كان يجد عندها فاكهة الشّتاء في الصّيف ، وفاكهة الصّيف في الشتاء . فكان يأتيها بلا سبب ، فلمّا نظرت إلى عيسى عليه السّلام حين ولدته أحبّته « 2 » ، فأمرت بالكسب في هزّ النخلة لكونها رجعت من جمع إلى تفريق . وقالوا في هذا وأطنبوا « 3 » ، وأنشدوا الأبيات المشهورة على قافية الباء ، إلى غير ذلك . وهذه رحمهم اللّه وهلة منهم وغفلة عن الأولى والأحرى في حقّ تلك الصّدّيقة . وأوّل ما يعترض به عليهم أن يقال لهم : من أين يحكمون عليها أنّها لما رأت الولد تفرّقت بميل قلبها إليه ؟ . وهذا لا يصح إلّا بتوقيف ، والتّوقيف في ذلك معدوم ، وبم تردّون على من يدعي نقيض دعواكم ؟ ويبرهن عن ذلك أنّ مريم عليها السّلام ما كانت قطّ في مقام هو أعلى
هامش
( 1 ) أصفقوا : أجمعوا . ( 2 ) روى القرطبي 11 / 96 قال : قال علماؤنا : لمّا كان قلبها فارغا فرّغ اللّه جارحتها عن النّصب ( التّعب ) فلمّا ولدت عيسى وتعلّق قلبها بحبّه ، واشتغل سرّها بحديثه وأمره وكلها إلى كسبها ، وردّها إلى العادة بالتعلّق بالأسباب في عباده . ( 3 ) سيذكر المؤلّف - رحمه اللّه - أنّ أول الشّعر الذي أنشدوه في مريم عليها السلام :ألم تر أنّ اللّه أوحى لمريم * إليك فهزّي الجذع تساقط الرّطبوانظر مقدّمة التحقيق .