تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
طلع أعرابي جلف جاف على قعود « 1 » له متقلد سيفه وبيده قوس ، فدنا وسلّم ، وقال لي : ممن الرجل ؟ قلت : من بني الأصمع . قال : أنت الأصمعي ؟ قلت : نعم . قال : ومن أين أقبلت ؟ [ فقلت ] « 2 » : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن . قال : وللرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟ قلت : نعم ، قال : أتل عليّ شيئا منه ، قلت له : انزل عن قعودك ، فنزل وابتدأت بسورة الذاريات ، فلما انتهيت إلى قوله سبحانه وتعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ،
قال : يا أصمعي ! هذا كلام الرحمن ؟ قلت : إي والذي بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالحق إنه لكلامه ، أنزله على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لي : حسبك ، ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطّعها بجلدها وقال : أعنّي على تفريقها ، ففرّقناها على من أقبل وأدبر ، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرمل « 3 » ، وولى مدبرا نحو البادية وهو يقول :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
« 4 » ، فأقبلت على نفسي باللوم ، وقلت : لم تنتبه لما انتبه له الأعرابي . فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة ، فبينا أنا أطوف بالكعبة ، إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق ، فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي نحيل مصفار ، فسلّم عليّ وأخذ بيدي فأجلسني من وراء المقام وقال [ لي ] « 5 » : أتل عليّ كلام الرحمن ، فأخذت في سورة الذاريات ، فلما انتهيت إلى قوله تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
هامش
( 1 ) القعود من الإبل : ما اتخذه الراعي للركوب وحمل الزاد والمتاع ( اللسان ، مادة : قعد ) . ( 2 ) في الأصل : قال . والتصويب من ب . ( 3 ) في كتاب التوابين ( ص : 274 ) : الرحل . ( 4 ) في الأصل : ورزقكم في السماء وما توعدون . والمثبت من ب . ( 5 ) زيادة من ب ، والثعلبي ( 9 / 115 ) ، والتوابين ( ص : 275 ) .