تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
« وَكَذلِكَ »
أي ومثل ذلك
« أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا »

[ « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . . . »

الآية : ] - الوجه الأول - يعني الروح الأمين الذي نزل به على قلبك - الوجه الثاني - يعني قوله تعالى :
( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ )
« ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ »
وهو عرو المحل عن كل ما يشغله عن قبول ما أوحي به إليه ، فما هو تحت كسبك ولا تعلق لك خاطر بتحصيله ، وهو نور من حضرة الربوبية لا من غيرها ، وأصله الروح الذي هو من أمر ربي ، أي من الروح الذي لم يوجد عن خلق ، فإن عالم الأمر كل موجود لا يكون عن سبب كون يتقدمه ،
« وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً »
يعني هذا المنزل نور هداية ، وهو النور الذي قال اللّه تعالى فيه
( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ )
وقوله تعالى
( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً )
وهو هذا الروح
( فَما لَهُ مِنْ نُورٍ )
فكان بجعل اللّه ولم يضفه إلى الاكتساب ، فقال تعالى
« وَلكِنْ جَعَلْناهُ »
يعني الوحي وهو العلم
« نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا »
فشبه الوحي وهو العلم بالنور للمشابهة الجلية بين العلم والنور ، حتى يهدي به إلى صراط مستقيم ، وجاء بمن وهي نكرة في الدلالة ، مختصة عنده ببعض عباده من نبي أو ولي ، وقوله تعالى :
« نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا »
يعطي أن الإيمان لا تعطيه إقامة الدليل ، بل هو نور إلهي يلقيه اللّه في قلب من شاء من عباده ، وقد يكون عقيب الدليل ، وقد لا يكون هناك دليل أصلا ، كما قال تعالى :
« وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا »
( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي )
بذلك النور الذي هديتك به ، فإن كان هذا العبد نبيا فهو مشرع ، وإن كان وليا فهو تأييد لشرع النبي ، وحكمه في أمر مشروع مجهول عند بعض المؤمنين به
« إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
في حق النبي طريق السعادة والعلم ، وفي حق الولي طريق العلم لما جهل من الأمر المشروع فيما يتضمنه من الحكمة .

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 53 ]

صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( 53 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 96 | ابن عربي / محمود محمود الغراب