تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
ألا تراهم في الأخذ الذي عرض لهم من ظهورهم حين قال لهم :
( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى )
فأقروا له بالربوبية لأنهم في قبضة الأخذ محصورون ، فلو شهدوا أن نواصيهم بيد اللّه شهادة عين ، أو إيمان كشهادة عين - كشهادة الأخذ - ما عصوا اللّه طرفة عين ، وكانوا مثل سائر المخلوقات ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فلما ظهروا عن هذه الأسماء الرحمانية قالوا : يا ربنا لم خلقتنا ؟ قال : لتعبدون ، أي لتكونوا أذلاء بين يدي ، فلم يروا صفة قهر ولا جناب عزة تذلهم ، ولا سيما وقد قال لهم لتذلوا إلي ، فأضاف فعل الإذلال لهم ، فزادوا بذلك كبرا ، فلو قال لهم : ما خلقتكم إلا لأذلكم ؛ لفرقوا وخافوا ، فإنها كلمة قهر ، فكانوا يبادرون إلى الذلة من نفوسهم خوفا من هذه الكلمة ، كما قال للسماوات والأرض ائتيا طوعا أو كرها ، فلو لم يقل كرها فإنها كلمة قهر حيثما أتت ، فلهذا قلنا ما أوجد كل ما عدا الثقلين ولا خاطبهم إلا بصفة القهر والجبروت ، ولا نشك أن كل ما خلق من الملائكة وغيرهم من العالم ما خلقهم إلا مسبحين بحمده ، وما خص بهذه الصفة - أعني صفة العبادة ، وهي الذلة - غير الثقلين ، فما خلقهم حين خلقهم أذلاء ، وإنما خلقهم ليذلوا ، وخلق ما سواهم أذلاء في أصل خلقهم ، فما جعل العلة في سوى الثقلين الذلة كما جعلها فينا ، فلما قال للثقلين عن السبب الذي لأجله أوجدهم وخلقهم ، نظروا إلى الأسماء التي وجدوا عنها ، ولو أنه متوجه عليهم الاسم المذل لأنه خلقهم لعبادته ، فما رأوا اسما إلهيا منها يقتضي أخذهم وعقوبتهم إن عصوا أمره ونهيه ، وتكبروا على أمره ، فلم يطيعوه وعصوه ، فما تكبر أحد من خلق اللّه على أمر اللّه غير الثقلين ، ولا عصى اللّه أحد من خلق اللّه سوى الثقلين ، فعصى آدم ربه وهو أول الناس ، وعصى إبليس ربه ، فسرت المخالفة من هذين الأصلين في جميع الثقلين ، فجعل الحق العبادة بأيديهم ، وجعلها المقصودة منه بخلقهم ، فمنهم من قام بما قصد له ، فكان طائعا مطيعا لأمر اللّه الوارد عليه بالأعمال والعبادة ، فإنه قال لهم
( فَاعْبُدُونِ )
كما أخبر
( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي )
هذا أمر بعبادة
( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي )
هذا أمر بعمل ، والعمل ما هو عبادة ، فالعمل صورة والعبادة روحها ، فالعبادة مقبولة عند اللّه على كل حال ، اقترنت بعمل أو لم تقترن ، والعمل لغير عبادة لا يقبل على كل حال ، من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة . ولما خلق اللّه الثقلين في هذا المقام الذي قصده بخلقهم ، وهو أجلية الحق ، فرغهم لذلك ، حتى لا يقوم لهم حجة بالاشتغال