تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الفقر الكلي الذي لا يمكن زواله عن الممكن - لأن الفقر له وصف ذاتي - لا في حال عدم ولا في حال وجود ، فلا بد لمن هذه حاله من تخل وفرار عن الأمور الشاغلة له .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 52 إلى 55 ]

كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 )

[ « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ »

الآية : ] وذكر من نسي إقراره بربوبيته عند أخذ ميثاقه ، قال بعض السامعين :
( سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ )
فقال تعالى آمرا :
« وَذَكِّرْ »
يعني بالعلم من غفل عنه ونسيه
« فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ »
وهم الذين علموا ما ثمّ بنور الإيمان ، ثم إنهم غفلوا فحيل بينهم وبين ما علموه من ذلك ، فإذا ذكروا تذكروا ، وقام لهم شهود ما قد كانوا علموه ، فنفعتهم الذكرى ، فعملوا بما علموا ، والتفت الحق هنا إلى القابل وما التفت إلى المعرض ، فلم يرتبط الوجود إلا بالمؤمن ، فوعظنا بالحوادث الواقعة على خلاف الأغراض ، مما تنفر عنه طباعنا ، وذكرنا بأنا معرّضون لحلولها بنا إلا أن يعصم اللّه في بعضها لا في كلها ، فإن منتهى الدوائر وأعظمها الموت ، ولا بد منه بأي وجه كان ، ولا أعني بالموت إلا الانتقال عن هذه الدار ، وذكرنا تعالى بموعظته ذكرى حال ، إذ أصاب من قبلنا بوقوع تلك الدوائر عليهم ، وذكرنا بأمور أخر خبّر عنها في المستقبل عند الانتقال إلى الدار الآخرة ، تقع بالعباد ، مما يسر وقوعها ومما لا يسر ، ومما يوافق الغرض ويلائم الطبع ، ومما لا يلائم الطبع ولا يوافق الغرض ، ومما يدل على الكمال والنقص ، فذكر بالرغبة في ذلك والرهبة من ذلك ، وشهد اللّه أن الذكرى تنفع المؤمنين ، فانتفاعك بالذكرى شاهد لك بالإيمان ، وإن لم تنفعك الذكرى فاتهم نفسك في إيمانك ، وإذا رأيت من يدعي الإيمان ويذكر فلا يقع له نفع بما ذكّر به علمت أنه في الحال ليس بعالم بما آمن به ، فليس بمؤمن أصلا ، فإن شهادة اللّه حق وهو صادق ، وقد أعلمنا أن المؤمن ينتفع بالذكرى ، وشهدنا أن هذا لم ينتفع بالذكرى ، فلا بد أن نزيل عنه الإيمان تصديقا للّه ، ولا معنى للنفع إلا وجود العمل منه بما علم ، وما نرى أحدا يتوقف بالعمل فيما يزعم أنه عالم به ، إلا وفي نفسه احتمال ، ومن قام له في شيء
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 192 | ابن عربي / محمود محمود الغراب