تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
إنه قال عزّ وجل :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ )
فلا يتذللون لي حتى يعرفوا مكانتي وعزتي ، فيتذللون لعزتي ويعرفون منزلتي من منزلتهم ، لذلك قال :
« إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
ولا يعبدونه حتى يعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، قال ابن عباس
« لِيَعْبُدُونِ »
معناه ليعرفون ، فما فسر بحقيقة ما تعطيه دلالة اللفظ ، وإنما تفسيره ليذلوا لي ، فالعبد معناه الذليل ، يقال : أرض معبدة أي مذللة ، ولا يذل له من لا يعرفه ، فلا بد من المعرفة به أولا ، وأنه ذو العزة التي تذل الأعزاء لها ، فلذلك عدل ابن عباس في تفسير العبادة إلى المعرفة ، هذا هو الظن به ، وما خلق الجن والإنس من بين الخلق إلا لمحبته ، فإنه ما يعبده ويتذلل إليه إلا محب ، وما عدا الإنسان فهو مسبح بحمده ، لأنه ما شهده فيحبه ، فما تجلى لأحد من خلقه في اسمه الجميل إلا للإنسان وفي الإنسان في علمي ، فلهذا ما فني وهام في حبه بكليته إلا في ربه أو فيمن كان مجلى ربه .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 57 ]

ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) فإن الحق يتنزه عن الغذاء والأكل ، فإنه سبحانه لا ينبغي له أن يطعم ، ثم إن اللّه علم من بعضهم أنه يقوم له شبهة في السعي فيما خلق من أجله ، في حق الغير ، لما بلغه أن اللّه يقول : [ جعت فلم تطعمني ] وقال لما قال له العباد : [ يا رب كيف تطعم وأنت رب العالمين ؟ ] فقال اللّه له : [ ألم تعلم أنه استطعمك فلان فلم تطعمه ، أما إنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي ] فأنزل الحق نفسه منزلة الجائع ، فلاحت له هذه الشبهة ، قال : نسعى في حق الغير وننتفع بما نسعى به بحكم التبع ، فقال اللّه له : ما فهمت عني
« ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ »
والرزق معنوي وحسي ، أي محسوس ومعقول ، وهو كل ما بقي به وجود عين المرزوق ، فهو غذاؤه ، والمرزوقون منهم معقول ومنهم محسوس ، ورزق كل مرزوق ما كان به بقاؤه ونعيمه إن كان ممن يتنعم ، وحياته إن كان ممن يوصف بأنه حي ، وليست الأرزاق لمن جمعها ، وإنما الأرزاق لمن تغذى بها .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 58 ]

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 )

[ « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ »

الآية : ] لا أنتم ، فما بقيت لمن قامت لهم شبهة حجة بتمام الآية ، وأما اعتمادهم على ذلك الخبر