تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
عليه السلام ، وهو منفعل عن مريم في مقابلة حواء من آدم ، وبالمجموع
« مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى »
يريد بني آدم باقي الذرية بطريق النكاح والتوالد ، فهذه الآية جامعة لخلق الناس ، ومن جوامع الكلم وفصل الخطاب ، وتبين أن الغرض الإعلام بأن الأجسام الإنسانية وإن كانت واحدة في الحد والحقيقة ، والصور الحسية والمعنوية ، فإن أسباب تأليفها مختلفة ، لئلا يتخيل بأن ذلك لذات السبب تعالى اللّه ، بل ذلك راجع إلى فاعل مختار يفعل ما يشاء كيف يشاء ، من غير تحجير ولا قصور عن أمر دون أمر ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم
« وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا »
الشعوب في الأعاجم كالقبائل في العرب ، أي فرقكم شعوبا ، وميز قبيلة عن قبيلة ، وسميت الميتة شعوبا لأنها تفرق بين الميت وأهله
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »

[ من التقوى حماية جانب اللّه تعالى من المذام : ]

- الوجه الأول - أي أشدكم وقاية ، لأنه جاء من باب أفعل ، وقد جعل اللّه بينه وبين خلقه نسبا ، ولم يكن سوى التقوى من الوقاية ، ورد في الخبر أن اللّه يقول يوم القيامة : [ اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي أين المتقون ؟ ] وهم الذين جعلوا نفوسهم وقاية يحمون بها جانب اللّه تعالى من المذام التي كانت منه إيجادا وحكما [ والشر ليس إليك ] فجعلوا نفوسهم وقاية للّه - الوجه الثاني - الذين اتخذوا اللّه وقاية ، ولهذا المقام رجال ولهذا رجال
« إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ »
عليم بما أخفى ، خبير بما أبدى ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي إلا بالتقوى ] يريد بالأب آدم عليه السلام .

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 14 ]

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 )
« قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
لأن الإيمان طهارة الباطن
« وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا »
فإن الإسلام الانقياد ، فإذا أظهر الإنسان الانقياد الظاهر كان مسلما ظاهرا
« وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »
وهو الطهارة الباطنة ، فالإنسان كما يكون مسلما ظاهرا ، يجب عليه الانقياد بباطنه حتى يكون مسلما باطنا كما كان ظاهرا ، فإن الطهارة الباطنة هي النافعة المنجية
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 166 | ابن عربي / محمود محمود الغراب