تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
تقدم له في الإلقاء الأول ( خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ) أي ترجع عصا كما كانت في عينك ، فلما خاف موسى عليه السلام على الأمة قال اللّه له :

[ سورة طه ( 20 ) : آية 68 ]

قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) لما ادعى فرعون الفوقية اللائقة بالربوبية ، وهي الفوقية الحقيقية في قوله
( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى )
كذبه اللّه تعالى بقوله تعالى لموسى صلّى اللّه عليه وسلم
« لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى »
لما ظهر للسحرة خوف موسى مما رآه ، وما علموا متعلق هذا الخوف أي شيء هو ؟ علموا أنه ليس عند موسى من علم السحر شيء فإن الساحر لا يخاف مما يفعله ، لعلمه أنه لا حقيقة له من خارج ، وأنه ليس كما يظهر لأعين الناظرين ، فأمر اللّه موسى أن يلقي عصاه وأخبر أنها تلقف ما صنعوا ، فقال تعالى :

[ سورة طه ( 20 ) : آية 69 ]

وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 69 )

[ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ

] فلما ألقى موسى عصاه فكانت حية ، تلقفت تلك الحية جميع ما كان في الوادي من الحبال والعصي ، أي تلقفت صور الحيات منها المتخيلة في عيون الحاضرين ، فأبصرت السحرة والناس حبال السحرة وعصيهم التي ألقوها حبالا وعصيا كما هي ، وأخذ اللّه بأبصارهم عن ذلك ، فهذا كان تلقفها ، لا أنها انعدمت الحبال والعصي ، إذ لو انعدمت لدخل عليهم التلبيس في عصا موسى ، وكانت الشبهة تدخل عليهم ، فإن اللّه يقول
« تَلْقَفْ ما صَنَعُوا »
وما صنعوا الحبال ولا العصي ، وإنما صنعوا في أعين الناس صور الحيات ، وهي التي تلقفت عصا موسى ، وما قال تعالى : تلقف حبالهم وعصيهم
« إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ »
أي فعلوا ما يقارب الحق ، فإن الكيد من كاد ، وكاد من أفعال المقاربة ، أي فعلوا ما يقارب الحق في الصورة الظاهرة للبصر
« وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى »
فكانت الآية عند السحرة خوف موسى وأخذ صور الحيات من الحبال والعصي ، فكان ظهور حجته على حجتهم أن بقيت حبالهم وعصيهم في صور حبال وعصي ، فلما رأى الناس الحبال حبالا ، علموا أنها
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 96 | ابن عربي / محمود محمود الغراب