[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 46 إلى 47 ]
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 ) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 )
[ « وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »
الآية ]
البدا هو أن يظهر ما لم يكن ظهر ، فقال تعالى :
« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »
فعمّ ، فبدا لكل طائفة تعتقد أمرا ما مما الأمر ليس عليه نفي ذلك المعتقد ، وما تعرض في الآية بما انتفى ذلك ، هل بالعجز أو بمعرفة النقيض ؟ وكلا الأمرين كائن في الدار الآخرة ففي الهوية فإن بعض العباد يجزم في اعتقاده أن اللّه كذا وكذا ، فإذا انكشف الغطاء ، رأى صورة معتقده وهي حق فاعتقدها ، وانحلت العقدة فزال الاعتقاد وعاد علما بالمشاهدة ، وبعد احتداد البصر لا يرجع كليل النظر ، فيبدو لبعض العبيد باختلاف التجلي في الصور عند الرؤية خلاف معتقده ، لأنه لا يتكرر ، فيصدق عليه في الهوية
« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ »
في هويته
« ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »
فيها قبل كشف الغطاء ، أما في الجزاء فقوله تعالى :
« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »
شائعة في الشقي والسعيد ، ففي السعيد ، فيمن مات على غير توبة وهو يقول بإنفاذ الوعيد ، فيغفر له فكان الحكم للمشيئة ، فسبقت بسعادتهم ، فتبين لهم عند ذلك أنهم اعتقدوا في ذلك خلاف ما هو ذلك الأمر عليه ، فإن اللّه تعالى عندما يلقاه المؤمنون يستحيون منه لما عاملوه به من المخالفة لأوامره تعالى ، فبدا لهم من اللّه من الخير ما لم يكونوا يحتسبون من مكارم الأخلاق ، فإن الأدلة الشرعية أتت بأمور تقرر عندنا منها : أنه يعامل عباده بالإحسان ، وعلى قدر ظنهم به ، فإن الحق هو الخير المحض الذي لا شر فيه ، وما يبدو من الخير إلا الخير ، فحسّنوا ظنكم برب هذه صفته ، وحققوا رجاءكم بمعروف هذه معرفته ، وأما المجرمون فعند ما يلقونه يخافون منه ، فلقوه على كره فكره اللّه لقاءهم ، ومع هذه الكراهة فلا بد من اللقاء للجزاء ، كان الجزاء ما كان ، فإنهم لما استيقظوا من نوم غفلتهم ، ووصلوا إلى منزل وحطوا عن رحالهم ، طلبوا ما