تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
كل أحد منك ، فإنه لو كان هوى غيره نهي أن يتبعه ، فاتبعه ، فما يتبعه إلا بهوى نفسه ، فطاوع نفسه في ذلك ، فلذلك تعين أنه أراد بالهوى نفسه لا غيره ، وهو أن يأمره بمخالفة ما أمره اللّه به أن يفعله أو ينهاه عنه ، فقوله تعالى :
« وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى »
يعني محابك ، بل اتبع محابي وهو الحكم بما رسمته لك ، فشغله ذلك الحذر عن الفرح بما حصل له من تعيين اللّه له باسمه ، ولكن حصل له الفرح وأخذ حظه منه قبل أن يصل إليه زمان
« وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
لا عن اللّه ، فأمره بمراقبة سبيل اللّه ، وهو ما شرعه لدار القرار التي هي محل سعادتك ، فكان قوله تعالى لخليفته داود عليه السلام :
« فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
وهو ما شرعه اللّه لك على الخصوص ، فإن اللّه تعالى يقول :
( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً )
والهوى يحيرك ويتلفك ، ويعمّي عليك السبيل الذي شرعته لك وطلبت منك المشي عليه ، وهو الحكم به ، فالهوى هنا محاب الإنسان ، فأمره الحق بترك محابه إذا وافق غير الطريق المشروعة له ، لأن الهوى يهوي بمتبعه عن درجة الخلافة التي أهّلت لها وأهّلت لك ، فالرجل هو الذي رأى الحق حقا فاتبعه ، وحكم الهوى وقمعه ،
« إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
وهو ما شرعه لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله ، والضلال عن سبيل اللّه اتباع الهوى
« لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ »
يحتمل واللّه أعلم يوم الدنيا ، حيث لم يحاسبوا نفوسهم فيه ، فإن النسيان الترك ، يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ] فإن يوم الدنيا أيضا هو يوم الدين ، أي يوم الجزاء لما فيه من إقامة الحدود ، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ، ولم يقل تعالى لداود عليه السلام : فإنك إن ضللت عن سبيل اللّه لك عذاب شديد ؛ فتلطف به في الخطاب ثانيا .

[ سورة ص ( 38 ) : آية 27 ]

وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 )
« وَما خَلَقْنَا »
أي قدّرنا
« السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا »
فما هي عبث فإن الخالق حكيم ، فإذا قدرها فما تكون عبثا ولا باطلا ، فإن ذلك لحكمة فيها يعلمها من علّمه اللّه ، لذلك قال :
« ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ »
.