تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
بابه
« أَنَّما فَتَنَّاهُ »
أي اختبرناه ، فإن الفتنة في اللسان الاختبار ، تقول العرب : فتنت الفضة على النار أي اختبرتها ؛ والفتنة الابتلاء ، وليس الابتلاء مما يحط درجة العبد عند اللّه ، بل ما يبتلي اللّه إلا الأمثل فالأمثل من عباده ، فإن الحق أوصى داود بقوله :
( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى )
« فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ »
فاستغفر داود ربّه أي طلب الستر من اللّه الحائل بينه وبين الهوى المضل ليتصل به ، فيؤثر في الحكم الذي أرسل به ، فطلب طلبا مؤكدا الستر من ربه ، فإن الاستفعال يؤذن بالتوكيد
« وَخَرَّ راكِعاً »
ووقع خاضعا
« وَأَنابَ »
ورجع إلى اللّه فيما طلب لا لحوله وقوته ، فكان سقوطه إلى الأرض اختيارا قبل أن تسقطه الأهواء ، فكان ركوعه رجوعا إلى أصله من نفسه ، فهو عين الستر الذي طلبه في الاستغفار ، فعصمه اللّه وستره ، فما خر داود عن زلة أتى بها ، بل رجوعا إلى أسّه .

[ سورة ص ( 38 ) : آية 25 ]

فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 )
« فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ »
فقضينا حاجته فيما رجع إلينا فيه ، وسترناه عن الأغيار ، فجهل قدره ، مع تصريحنا بخلافته عنا في الحكم في عبادي والتحكم والتصريف
« وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى »
تقريب مما هو له منا ، لا يرجع من ذلك إلى الأكوان والأغيار شيء
« وَحُسْنَ مَآبٍ »
وخاتمة حسنة ، والسجدة هنا ليست من عزائم السجود ، وقد سجدها داود عليه السلام توبة وشكرا معا ، وهي لمن سجدها سجدة شكر - إشارة - لما كان آدم أول من ظهر فيه أحكام الأسماء الإلهية ، ولم يزل يرتقي في أطوار بنيه ، لأن خلافته لم تكن منبسطة تماما لقلة عدد هذا النوع معه ، ولذلك كان نوح عليه السلام أول الرسل حتى بلغ ذلك إلى داود عليه السلام ، ومن ثمّ وقع النص على خلافته في الأرض ، وتزوج تسعا وتسعين امرأة ضرب مثال من الأسماء ، فلما طمع في الظهور باسم الذات ، ضرب له المثل المعروف السابق ذكره .

[ سورة ص ( 38 ) : آية 26 ]

يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 )