تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
وبصره ولسانه ويده ورجله وغير ذلك ] قولا شافيا ، لأنه ذكر أحكامها فقال : [ الذي يبطش بها ويسعى بها ويتكلم به ويسمع به ويبصر به ويعلم ] ومعلوم أنه يسمع بسمعه أو بذاته يسمع ، وعلى كل حال فجعل الحق هويته عين سمع عبده وبصره ويده وغير ذلك ، والملك مع علمه بذلك يقول :
( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ )
والجن يقول :
( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) *
والرسول يقول : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) ومن الناس من يقول :
( أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ )
والسماوات والأرض والجبال تأبى وتشفق من حمل الأمانة وتقول : ( أتينا طائعين ) وقال الهدهد : ( أحطت ) علما ( بما لم تحط به ) وقالت نملة :
( يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ )
وقال اللّه :
( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ )
وقالت الجلود :
( أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ )
وقال :
( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )
فما ترك شيئا من المخلوقات إلا وأضاف الفعل إليه ، فما في العالم إلا من نسب الفعل إليه ، أي إلى نفسه ، مع علم العلماء باللّه أن الفعل للّه لا لغيره ، واللّه يقول :
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ »
فأضاف العمل إليهم وهو خالقه وموجده ، أعني العمل ، فهذه المسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا ، لا من جهة الكشف ولا من جهة الخبر ، فالأمر مربوط بين حق وخلق ، وما ثمّ عقل يدلّ على خلاف هذا ، ولا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين ، وما ثمّ إلا كشف وشرع وعقل ، وهذه الثلاثة ما خلصت شيئا ولا يخلص أبدا دنيا ولا آخرة - من باب الإشارة لا التفسير - قال أهل الإشارة « ما » هنا نافية . فمن كرم اللّه سبحانه وتعالى أن يخلق في عباده طاعته ويثني عليهم بأنهم أطاعوا اللّه ورسوله ، وما بأيديهم من الطاعة شيء ، غير أنهم محل لها ، فمن كرمه أنه أثنى عليهم بخلق هذه الصفات والأفعال فيهم ومنهم ، ثم أثنى عليهم بأن أضاف ذلك كله إليهم ، إذ كانوا محلا للصفات المحمودة شرعا ، فهذه أعظم آية وردت في ثبوت الحيرة في العالم ، فمن وقف مع المقالة المشروعة وجعل لها الحكم على ما أعطاه النظر العقلي من نقيض ما دل عليه الشرع ، فذلك السالم الناجي ، ومن زاد على الوقوف العمل بالتقوى ، جعل اللّه له فرقانا يفرق به بين أصحاب النحل والملل وما تعطيه الأدلة العقلية ، التي تزيل حكم الشرع عند القائل بها ، فيتأولها ليردها إلى دليل عقله ، فهو على خطر وإن أصاب ، فعليك بفرقان التقوى فإنه عن شهود وصحة وجود

[ لطيفة « وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ »

فهو العامل ] - لطيفة -
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما