تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
فإن أمر اللّه لا يعصى إذا ورد بغير الوسائط ، فالأمر الإلهي لا يخالف الإرادة الإلهية ، فإنها داخلة في حدّه وحقيقته ، وإنما وقع الالتباس من تسميتهم صيغة الأمر - وليست بأمر - أمرا ، والصيغة مرادة بلا شك ، فأوامر الحق إذا وردت على ألسنة المبلغين فهي صيغ الأوامر لا الأوامر ، فتعصى ، وقد يأمر الآمر بما لا يريد وقوع المأمور به ، فما عصى أحد قط أمر اللّه
« إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
لم يكن للأعيان في حال عدمها شيء من النسب إلا السمع ، فكانت الأعيان مستعدة في ذواتها في حال عدمها لقبول الأمر الإلهي إذا ورد عليها بالوجود ، فلما أراد بها الوجود قال لها
« كُنْ »
فكانت وظهرت في أعيانها ، فكان الكلام الإلهي أول شيء أدركته من اللّه تعالى ، بالكلام الذي يليق به سبحانه ، والأصل ثبوت العين لا وجودها ، ولم تزل بهذا النعت موصوفة ، وبقبولها سماع الخطاب إذا خوطبت منعوتة ، فهي مستعدة لقبول نعت الوجود ، مسارعة لمشاهدة المعبود ، فلما قال لها في حال عدمها
« كُنْ »
كانت ، فبانت بنفسها وما بانت - بحث - السماع الإلهي هو أول مراتب الكون ، وبه يقع الختام ، فأول وجود الكون بالسماع ، وآخر انتهائه من الحق السماع ، ويستمر النعيم في أهل النعيم والعذاب في أهل العذاب ، فأما في ابتداء كون كل مكوّن فإنما ظهر عن قول كن ، فأسمعه اللّه فامتثل ، فظهر عينه في الوجود وكان عدما ، فسبحان العالم بحال من قال له : كن فكان ، فأول شيء ناله الممكن مرتبة السماع الإلهي ، فإن كن صفة قول ، قال تعالى :
( إِنَّما قَوْلُنا )
والسماع متعلقه القول . وأما في الانتهاء في حق الكفار
( اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ )
فخاطبهم وهم يسمعون ، وأما في حق أهل الجنة فبعد الرؤية والتجلي الذي هو أعظم النعم عندهم في علمهم ، فيقول : [ هل بقي لكم شيء ؟ فيقولون : يا ربنا وأي شيء بقي لنا ؟ نجيتنا من النار ، وأدخلتنا الجنة ، وملكتنا هذا الملك ، ورفعت الحجاب بيننا وبينك فرأيناك ، وأي شيء بقي يكون عندنا أعظم مما نلناه ؟ فيقول سبحانه : رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا ] فأخبرهم بالرضا ودوامه وهم يسمعون ، فذلك أعظم نعيم وجدوه ، فختم بالسماع كما بدأ ، ثم استصحبهم السماع دائما ما بين بدايتهم وغاية مراتب نعيمهم ، فطوبى لمن كانت له أذن واعية لما يورده الحق في خطابه .

[ سورة يس ( 36 ) : آية 83 ]

فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 477 | ابن عربي / محمود محمود الغراب