فإن الخصم يقول لا ولد إلا من والد ، ولا بيضة إلا من دجاجة ، فأراهم اللّه تعالى عيسى حجة عليهم ، ولذلك كان آية .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 21 ]
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 )
[ نقصان المرأة عن الرجل في العلم بالأحدية الذاتية ]
لما كانت أحدية اللّه ذاتية لا نسبة بينها وبين طلب الممكنات ، ومن المحال أن يعقل العقل وجود العالم من هذه الأحدية التي لها الغنى عن العالمين ، وجب عليه أن يرجع إلى النظر فيما يطلبه الممكن من وجود من له هذه الأحدية ، فنظر فيه من كونه إلها يطلب المألوه ، وهو تركيب الأدلة وترتيبها ، ولما كان يجب على الرجل الجمع بين العلم بتلك الأحدية وبين العلم بكونه إلها ، فقال تعالى لزكريا عليه السلام
« كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً »
فتعدد الأحكام على المحكوم عليه مع أحدية العين إنما ذلك راجع إلى نسب واعتبارات ، فعين الممكن لم تزل ولا تزال على حالها من الإمكان ، فلم يخرجها كونها مظهرا حتى انطلق عليها الاتصاف بالوجود عن حكم الإمكان فيها ، فإنه وصف ذاتي لها ، والأمور لا تتغير عن حقائقها لاختلاف الحكم عليها لاختلاف النسب ، لذلك قال
« وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً »
فنفى الشيئية عنه وأثبتها له ، والعين هي العين لا غيرها ، فأحاله إلى النظر والاستدلال ، ولم يقل ذلك للمرأة وهي مريم ، بل قال لها
( كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا )
فإن المرأة تنقص عن الرجل في العلم بالأحدية الذاتية ، فلم يكلفها النظر في الجمع بينها وبين العلم باللّه من كونه إلها ، بل قال لها
( وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا )
مع أنه متعين على مريم العلم بالأحدية الذاتية وعلم الأحدية الإلهية التي هي أحدية الكثرة ، فإنها ممن تحصّل له درجة الكمال .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 22 ]
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 )
جسم عيسى متكون من ماء أمه مريم ، وينكر ذلك الطبيعيون ويقولون إنه لا يتكون من ماء المرأة شيء ، وذلك ليس بصحيح .