تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 30 ]

قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) لما كان عيسى عليه السلام قد آتاه اللّه الحكم صبيا وهو رضيع في المهد ، فقد أيده ببيان ذلك ، فنطق عليه السلام في المهد بالإقرار والجحد ، وبدأ عليه السلام في نطقه بالعبودية ، فقال لقومه في براءة أمه لما علم من نور النبوة التي في استعداده أنه لا بد أن يقال فيه إنه ابن اللّه ، فقال عن نفسه إخبارا بحاله مع اللّه
« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ »
فبدأ في أول تعريفه وشهادته في الحال الذي لا ينطق مثله في العادة ، فما أنا ابن لأحد ، فأمي طاهرة بتول ، ولست بابن للّه ، كما أنه لا يقبل الصاحبة لا يقبل الولد ، ولكني عبد اللّه مثلكم ، فحكم على نفسه بالعبودية للّه ، وما قال ابن فلان لأنه لم يكن ثمّ
« آتانِيَ الْكِتابَ »
فحصل له إنجيله قبل بعثه ، فكان على بينة من ربه ، فحكم بأنه مالك كتابه الإلهي
« وَجَعَلَنِي نَبِيًّا »
فنطق بنبوته في وقتها عنده وفي غير وقتها عند الحاضرين ، لأنه لا بد له في وقت رسالته أن يعلم بنبوته كما جرت عادة اللّه في الأنبياء قبله ، وحكم بأن النبوة بالجعل لئلا يتخيل أن ذلك بالذات ، بل هو اختصاص إلهي .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 31 ]

وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) فلما أبان عن أنه أوتى مقام الإمامة مع تسميته صبيا ، قال
« وَجَعَلَنِي مُبارَكاً »
أي محلا وعلامة على زيادات الخير عندكم ، وخصني بزيادة لم تحصل لغيري ، وتلك الزيادة ختمه للولاية ، ونزوله في آخر الزمان وحكمه بشرع محمد صلّى اللّه عليه وسلم حتى يكون يوم القيامة ممن يرى ربه الرؤية المحمدية في الصورة الإلهية
« أَيْنَ ما كُنْتُ »
في المهد وغيره ، ويعني في كل حال من الأحوال ، ما تختص البركة بسببي فيكم في حال دون حال من دنيا وآخرة ، فإنه ذو حشرين يحشر في صف الرسل ويحشر معنا في أتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلم
« وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ »
المفروضة في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن أقيمها ، لأنه جاء بالألف واللام فيها
« وَالزَّكاةِ »
أيضا كذلك ، وأراد بالوصية بالصلاة والزكاة العبادة ، كما تدل على العمل هي على العبادة أدل ، لأنها تفتقر في كونها عبادة إلى بيان ، وإذا أريد بها العمل احتيج إلى تعيين ذلك العمل وبيان صورته ، حتى يقيم نشأته هذا المكلّف به
« ما دُمْتُ حَيًّا »
زمان التكليف وهو الحياة الدنيا ،