تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
عن نفسه ، ولذا قال تعالى :
« فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ »
أي يحيره في مثل هذا ، حيث وصفه بالسيّئ والحسن ، فإن سوء العمل ما كان يتصف بالحسن بالرؤية حتى قبل العمل صفة الحسن في وجه من الوجوه الوجودية ، فهو سوء بالخبر حسن بالرؤية ، فكأن الرؤية لا تصدق الخبر ، وشاهد الرؤية أقطع ، والناس يطلبون أن يصدّق الخبر الخبر والخبر الرؤية ، ولم نر أحدا يطلب أن يصدق الخبر الرؤية كما يصدق الخبر الخبر ، وهنا كان موطن الحيرة ، فإنه من المكر الإلهي الذي يعطي الحسن في السوء ، فقال تعالى :
« وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
أي يوفق للإصابة في معنى السوء والحسن لهذا العمل ما معناه ، وكيف ينبغي أن يأخذه ، فإذا جاءت الزينة مهملة غير منسوبة فإنك لا تدري من زينها لك ، فانظر ذلك في موضع آخر واتخذه دليلا على ما انبهم عليك ، مثل قوله :
( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ )
ومثل قوله :
« أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ »
ولم يذكر من زينه ، فتستدل على من زينه من نفس العمل ، فزينة اللّه غير محرمة ، وزينة الشيطان محرمة ، وزينة الدنيا ذات وجهين : وجه إلى الإباحة والندب ووجه إلى التحريم ، فمن أراد أن يعتصم من التزيين فليقف عند ظاهر الكتاب والسنة ، لا يزيد على الظاهر شيئا ، فإن التأويل قد يكون من التزيين ، فما أعطاه الظاهر جرى عليه ، وما تشابه وكل علمه إلى اللّه وآمن به ، فهذا متبع ليس للتزيين عليه سبيل ، ولا يقوم عليه حجة عند اللّه
« فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
فهو الذي يرزق الإصابة في النظر والذي يرزق الخطأ
« فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ »
أي فلا تكترث لهم حسرة عليهم ، فهي بشرى من اللّه بسعادة الجميع ، فإنه ما حيل بينه صلّى اللّه عليه وسلم وبين إنسانيته ، فهو إنسان في كل حال ، ولا تزول الحسرات عنه - وهو إنسان كامل - إلا باطلاعه على سعادتهم في المآل ، فلا يبالي من العوارض ، فإن السوء للعمل عارض بلا شك والحسن له ذاتي ، وكل عارض زائل وكل ذاتي باق لا يبرح
« إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ »
أي خبير عن ابتلاء
« بِما يَصْنَعُونَ »
من كل ما يظهر فيكم من الأعمال وعنكم ، وفي هذه الآية لطيفة وسر خفي من لطف اللّه ، يلقن اللّه فيها عبده المؤمن الحجة إذا كان فطنا ، فإن المحب ما أحب إلا ما هو جمال عنده ، لا بد من حكم ذلك ، ففي هذه الآية ما رأى العبد سوء عمله حسنا ، وإنما رأى الزينة التي زين له بها ، فإذا كان يوم القيامة ورأى قبح العمل فر منه ، فيقال له : هذا الذي كنت تحبه وتتعشق به وتهواه ، فيقول المؤمن : لم يكن حين أحببته بهذه الصورة ولا بهذه الحلية ، أين
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 442 | ابن عربي / محمود محمود الغراب